غداء الجمعة في زمن الهواتف
| أسامة الماجد
كثيرًا ما نسمع من يردد: “أبناء اليوم لا يقرأون، فقد أصبحوا أسرى الهواتف الذكية وشبكات التواصل”، وكأن هذا الجيل قطع جذوره مع كل ما هو نافع وأصيل. لكن الحقيقة أن لكل زمنٍ أدواته، ولكل جيلٍ أبناءه، وما نراه اليوم من انغماس في التكنولوجيا لا يلغي ضرورة التمسك بالقيم، بل يحمّلنا مسؤولية ترسيخها وسط هذا التحول الهائل.
القراءة والاطلاع ليستا مجرد هواية، بل قيمة تربوية عظيمة، علينا غرسها في نفوس أبنائنا منذ الصغر، تمامًا كما نعلمهم الصدق والاحترام والانتماء. فحين يتربى الطفل على حب المعرفة، يكون أكثر وعيًا في التعامل مع أدوات العصر، وأكثر حصانة من الانجراف وراء ما يفسد عقله وقلبه.
نحن لا نعارض التقدم، فالعالم بأسره يحمل الهواتف ويتواصل عبرها، والتقنية أصبحت جزءًا من نسيج حياتنا اليومية. لكن الخطير في الأمر أن هذا الجهاز الصغير الذي لا يتعدى حجمه بضع سنتمترات، أصبح وحشًا كاسرًا يلتهم وقتنا، ويبدّد قيمًا عريقة.
انظر إلى عادة “غداء الجمعة” في مجتمعات الخليج، والتي كانت مناسبة للّمة العائلية وتبادل الحديث والمودة. اليوم، تجتمع الأسرة جسدًا، لكن كل فرد منهم مشغول بهاتفه، غائب عن اللحظة، وكأن الأرواح تاهت في عالم افتراضي لا يعوّض دفء الواقع.
لا أحد يطلب منا محاربة التكنولوجيا، فهذا ضربٌ من العبث. لكن ما لا يُقبل، هو أن نسمح لها أن تسلبنا قيمنا، وعاداتنا، وهويتنا. فالواجب أن نُحسن استخدامها، وأن نوازن بين المعاصرة والأصالة، فبهذا وحده نحفظ جذورنا ونحن نمدّ أيدينا نحو المستقبل.
*كاتب بحريني