المجالس الأهلية.. ودورها المجتمعي

| أمين عبدالقادر العباسي

لا يعلم أحد متى بدأت تحديداً فكرة إنشاء دار لاجتماع الناس لتبادل الأحاديث أو إدارة أمر ما. في عام 500 قبل الميلاد كان هناك مجلس قبلي في العصر الروماني، وقد يكون أقدم مجلس موثق في الخليج العربي وأشهر تلك المجالس دار الندوة في العصر الجاهلي، وفي العصر الحديث قد تكون ديوانية المعرفي في دولة الكويت هي الأقدم بوثائق تعود إلى 300 سنة. عبر السنين كانت تلك المجالس ملتقى ومركزا ثقافيا، وقد تكون مجلسا قضائيا في أحيان أخرى، بعضها كان مؤثرا في المجتمع والآخر أقل تأثيراً حسب مدى المساحة المكتسبة من قبل تشريعات البلاد. نحن لا نختلف عن العالم بوجود مثل تلك المجالس الأهلية، فبعض العوائل الكبيرة والوجهاء كان لديهم مجلسهم لاستقبال أفراد العائلة والأصدقاء، والبعض كانت دكة رأس العاير (إحدى زوايا الطريق) ملتقاهم اليومي لتبادل الأحاديث، وتختلف اهتمامات كل مجلس عن الآخر، فالبعض عن البحر والبعض عن رحلات القنص وموسم الزراعة، وبين تلك الاهتمامات والأطروحات قد ينشد المهتمون القصائد وحكايات العهود السابقة للعبرة والموعظة. في العشرين سنة الماضية وبفضل الانفتاح ومساحة حرية الرأي في عهد صاحب الجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البلاد المعظم انتقلت مجالس أهلية كثيرة إلى الاهتمام بالأمور السياسية، بالإضافة للأمور الاجتماعية التي تنعكس على المجتمع، حيث يطرح الكثير من الحضور الآراء المختلفة للارتقاء بالمملكة وتطوير حياة المواطن، حتى أن بعضها أصبح بمثابة صالون ثقافي يجذب أهل العلم والاختصاص لإلقاء المواضيع المختلفة، والتشاور والتعقيب على مداخلات الحضور وتوثيق اللقاءات حتى تكون مرجعا للآخرين في مواقع التواصل الاجتماعي.  هناك تأثير للمجالس الأهلية في أي ملتقى تطرح فيه مواضيع مختلفة، حيث يخرج الحضور بمعلومة أو تصحيح فكرة ما، فتنوير الناس مطلوب ويعد الجناح الثاني للسلطة لنقل ما يحدث في الساحة المحلية من تغيرات، فرأي الشارع بالنسبة للسلطة مهم لقياس تأثير القرارات.

هل دور المجالس الأهلية كاف؟ تتمتع المجالس بحرية الرأي التي تثمر منفعة مباشرة للمملكة والمواطنين باستقطاب أهل العلم وأصحاب القرارات، الأمر الذي يساهم في تعزيز الثقة وإثراء المجتمع بالثقافة التي تخدمه، وانخراط الطبقة المثقفة بين المواطنين والمداخلات بأطروحات تدعم فكرة إيصال المعلومة وتقوية الحصيلة العلمية للمواطنين، فدور المجالس الأهلية لا يقتصر على جمع الناس، بل على بناء مجتمع قادر على استيعاب ما يدور حوله من أمور وكيفية التعامل معها وتسجيل رأيه تجاهها. التنوير والتوعية المجتمعية كمصباح ينور الطريق للآخرين، ولكي لا ينطفئ هذا المصباح يجب أن ينتقل للجيل القادم.

كاتب بحريني