إيران ترتجف من داخلها

| د. بثينة خليفة قاسم

في إيران، ليست الصدمة الحقيقية أن يكون “الموساد” قد اخترق قلب النظام، بل أن يكون هذا الاختراق قد جاء من المكان الذي ظنّت القيادة أنه الأشد مناعة، من داخل الصفوف الدينية، ومن التيار الأصولي المتشدد الذي طالما علا صوته بالولاء للمرشد، وبالعداء العلني لإسرائيل والولايات المتحدة. المعلومات المسرّبة حول اختراق جهاز الاستخبارات الإسرائيلي المجلس الأعلى للأمن القومي، وشخصيات أمنية بارزة، تكشف ما يتجاوز العمل التجسسي التقليدي، إنها تكشف تآكلًا داخليًا في البنية العقائدية للنظام، حيث تُستخدم الشعارات كستار دخاني، ويغدو “العدو” شريكًا خفيًا في غرف اتخاذ القرار. وبالاستناد إلى ما تداولته عدة تقارير إعلامية، فإن ما كُشف من معلومات يشير إلى أن ما خفي أعظم، وأن الاختراق لم يكن فقط أمنيًا، بل مسّ البنية العقائدية والسياسية للنظام من الداخل. وحين تأتي أجهزة التجسس متخفّية في هيئة حبوب فيتامينات تُزرع داخل أجساد قادة عسكريين، يتضح أننا لسنا أمام حرب استخباراتية معتادة، فالاختراق هذه المرة تقني وبيولوجي، وربما عقائدي أيضًا، فما الذي جعل الشكّ يتسلّل إلى رجال كانوا يُعتبرون عنوانًا للولاء؟ الأدهى أن المعلومات السرية، وفقًا للتسريبات، استُخدمت في تصفية حسابات سياسية داخلية، حيث جرى إقصاء شخصيات محورية بناءً على ذرائع هشة. فهل كان بعضهم يُستدرج دون علمه باسم “الثورة” ليخدم خصومها دون أن يدري؟ ما يجري اليوم لا يبدو مجرد حملة تطهير أمني، بل هو اعتراف صامت بأن الأسس العقائدية للنظام بدأت تتصدّع. ولم تكن طهران لتتحرك بهذه الحدة، لولا يقينها بأن النار لم تعد عند الأبواب، بل تحت السجاد. في نهاية المطاف، ليست المشكلة في دهاء الموساد وحده، بل في أولئك الذين كانوا سذّجًا بما يكفي ليظنوا أن الولاء يُقاس بالشعارات.. لا بالأمانة. 

 

‭*‬كاتبة‭ ‬وأكاديمية‭ ‬بحرينية