في مدرسة محمود المردي.. قيم عليا وإطلاق لحرية الفكر

| أسامة الماجد

عندما قرأ أحد الأصدقاء الفصل الثالث من كتاب “محمد الماجد.. القلم المتوحش الأليف” الصادر حديثًا، والذي يضم 45 مقالا نُشرت في جريدة الأضواء أواخر الستينات وبداية السبعينات، وبعضها في أخبار الخليج، كانت تلك المقالات توضح طبيعة أفكار الكاتب وتصوراته نحو واقعه وانتماءاته لتلك المرحلة المهمة وبالغة الحساسية في الحياة العربية الحديثة. قال صديقي بدهشة: “وهل كل هذه المقالات نُشرت؟”. أجبتُ: “نعم”. فأردف وكأنه مات في لهيب الاستغراب: “وكيف نُشرت؟”. أجبته مرة أخرى: “إنه رئيس التحرير وأحد فرسان الكلمة ومعلمه، الأستاذ محمود المردي رحمه الله”. كل ما كان يُنشر في “الأضواء” كان يطلع عليه المردي دون زيادة أو نقصان. كان رحمه الله سمح الأخلاق، يؤمن بالقيم والمبادئ، ويؤمن بأن المُثل العليا هي كل شيء في الحياة، وأن الإنسان الفاضل هو الذي يرسم في حياته مثلا أعلى يسعى باستمرار لتحقيقه، حيث يكون هذا المثل الأعلى حبل النجاة كلما همّ الإنسان بالغرق في المتع الفانية. كان المردي يرى أن الإنسان يمكنه أن يخلق قيمته الذاتية بنفسه، ويكيف حياته كما يشاء، ويؤمن بحرية الفكر إلى أبعد ما يتخيله العقل. كان يرى أن مقارعة الرأي بالرأي والحجة بالحجة هي التي تُقرّب من الحقيقة، وأن الامتياز لا يكون لأحد على آخر إلا بمقدار ما يبذله من جهد في الحياة الفكرية والاجتماعية. فالحياة ميدان فسيح، وعلى كل فرد في المجتمع أن يُشمّر على ساعد الجد، كلٌ حسب اختصاصه، فتكون المنزلة الاجتماعية والجزاء على قدر العمل. المردي كان يرى في كتابات الماجد الإخلاص للمبادئ، لأنه رجل فكر، ورجل الفكر يختلف عن رجل السياسة. 

 

‭* ‬كاتب‭ ‬بحريني