“Restart” الأخلاق!
| د. جاسم المحاري
لشدة غرورها بنفسها، كثيرًا ما كانت “الوردة” تتباهى بجمالها، إلا أنّ حظّها (العاثر) وجودها بجوار نبتة “الصبّار” قبيحة الهيئة والمنظر على حدّ قولها، وقد كانت كثيرًا ما تُهين الصبار على شكله (المقزّز)، غير أنّه بقي صابرًا صامتًا قبال تكرار إساءاتها، وفي المقابل كانت النباتات الأخرى تطلب منها أنْ تتوقف عن تنمرها على الصبّار المسكين، فيما هي تُواجههم بالرفض والإنكار. وعندما أقبل فصل الصيف بحرارته الشديدة وأشعة شمسه اللاهبة التي صيرت البئر جافة، إلى حدّ أنْه لم تبق به قطرة ماء لسقي النباتات، بدأت “الوردة” تذبل رويدًا وأوشكت على الموت.. في الأثناء تفاجأت بعصفور فارد جناحيه يحطّ على غصن “الصبّار” كي يروي ظمأه بالماء؛ فشعرت بالخجل الشديد لتنمرها عليه فيما مضى من أيام، وتجرّأت بسؤاله ليمدّها بالماء، فأجابها: بكل سرور يا جارتي “الوردة”!
بَدَتْ الأساس المُمتزج بمجموعة القواعد والمبادئ، والمبني على التفاهم والتعاون بين مجموعة من البشر في تشكيلة نسيجهم المجتمعي وتأثير سلوكياتهم وتفاعلات توجهاتهم على سبيل خلق البيئات الاجتماعية الصحية المُعزّزة للتفاهم والمُقلّلة للنزاعات، من أجل بناء الثقة وتحقيق العدالة وبسط المساواة وتقوية الروابط وترسيخ التماسك وتعميق الهوية، بعيدًا عن حداثة التقنية الحاضرة التي أدت إلى تآكل القيم الأخلاقية وتزايد الضغوط الاجتماعية وانعكاساتها على تراجع المبادئ الإنسانية الحقّة وسط جموع الأفراد والمؤسسات المختلفة إذا ما تُرجمت في بوتقة الأخلاق التي لعبت دورها في تشكيل الأفراد والمجتمعات وتعزيز العلاقات الإنسانية وإنشاء الحضارات البشرية الفاعلة في أجواء بيئة اجتماعية واعية مقبولة، تزيد من قوة المجتمع ومناعته في محاربة السلوكيات الفاسدة وإحلال المنافع الجماعية.
نافلة:
لم يَعُدْ الأمر (مُعضلًا) أنْ يُعيد المرء حساباته بانتهاج “خطّ رجعة” صادق النوايا يتخلص فيه من ترهات الأفعال المخجلة وشوائب الماضي المُعيب عبر ضغطة المسح (format)، ويُتبعها بزر إعادة التفعيل (restart)؛ ليُضفي على ممارساته المُعاشة طابعًا أخلاقيًّا براقًا كحال الوردة مع غريمها الصبّار؛ فتسهُل فيها صولات وجولات مفاوضاته اليومية بما يُشعره بالرضى تارة، وبتحقيق مبتغاه تارة أخرى، وفق إيثار نفسي يُهذب الأفكار ويُصوب السلوكيات ويُقيّم القرارات في حيز يُميّز بين فاضل صالح ورديء طالح ينأى عن جنبات الشكوك الشاحبة وانتشار الفوضى المنحرفة التي تدفع إلى انهيار الهياكل الأسرية المتلاحمة وتُعزّز الفردية المُنحازة على حساب الرفاه المجتمعي، والذي يُقوّضه تنامي الماديات الاستهلاكية وضياع بوصلة القيم الدينية وفقدان النزاهة الشخصية المثالية.
كاتب وأكاديمي بحريني