“المُختار”

| عباس العماني

‭ ‬صدر‭ ‬تصريح‭ ‬مؤخرًا‭ ‬للنائب‭ ‬جلال‭ ‬كاظم‭ ‬يقترح‭ ‬فيه‭ ‬إعادة‭ ‬العمل‭ ‬بنظام‭ ‬“المخاتير”،‭ ‬مستندًا‭ ‬على‭ ‬موافقة‭ ‬سابقة‭ ‬لمجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬في‭ ‬أغسطس‭ ‬عام‭ ‬2011‭ ‬على‭ ‬إرساء‭ ‬نظام‭ ‬المخاتير‭ ‬ليكون‭ ‬عونًا‭ ‬للمحافظين‭ ‬ويُسهم‭ ‬في‭ ‬صون‭ ‬الأمن‭ ‬والاستقرار‭ ‬المجتمعي‭ ‬بحسب‭ ‬تصريحه‭.‬

صراحة‭ ‬شدّني‭ ‬تصريح‭ ‬النائب‭ ‬جلال،‭ ‬هاتفته‭ ‬مستفسرًا‭ ‬عن‭ ‬دوافع‭ ‬تصريحه‭ ‬فقال‭ ‬إن‭ ‬المطالبة‭ ‬بتفعيل‭ ‬قانون‭ ‬المخاتير‭ ‬تأتي‭ ‬انطلاقًا‭ ‬من‭ ‬الحاجة‭ ‬الملحّة‭ ‬إلى‭ ‬إعادة‭ ‬تنظيم‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬المواطن‭ ‬والدولة‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬المحلي،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تفعيل‭ ‬أدوات‭ ‬الوساطة‭ ‬المجتمعية‭ ‬وحل‭ ‬النزاعات‭ ‬البسيطة‭ ‬قبل‭ ‬تفاقمها‭ ‬ووصولها‭ ‬إلى‭ ‬الجهات‭ ‬الرسمية‭ ‬أو‭ ‬القضائية،‭ ‬إذ‭ ‬بلغ‭ ‬مجموع‭ ‬القضايا‭ ‬المحسومة‭ ‬في‭ ‬عام‭ ‬2023‭ ‬بمختلف‭ ‬أنواعها‭ ‬ودرجاتها‭ ‬ما‭ ‬مجموعه‭ ‬60400،‭ ‬كثير‭ ‬منها‭ ‬بسيطة‭ ‬وعائلية‭ ‬يمكن‭ ‬تداركها‭ ‬بحلول‭ ‬وديّة‭ ‬عبر‭ ‬تفعيل‭ ‬دور‭ ‬“المختار”‭.‬

بالإضافة‭ ‬إلى‭ ‬تحوّل‭ ‬دور‭ ‬مكتب‭ ‬النائب‭ ‬اليوم‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الحالات،‭ ‬إلى‭ ‬ملاذ‭ ‬للمواطنين‭ ‬في‭ ‬القضايا‭ ‬المجتمعية‭ ‬واليومية،‭ ‬والتي‭ ‬هي‭ ‬في‭ ‬الأصل‭ ‬من‭ ‬اختصاصات‭ ‬إدارية‭ ‬أو‭ ‬محلية،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬انشغال‭ ‬النواب‭ ‬عن‭ ‬دورهم‭ ‬الأساس‭ ‬في‭ ‬التشريع‭ ‬والرقابة‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬الحكومة،‭ ‬وانجرافهم‭ ‬نحو‭ ‬معالجة‭ ‬قضايا‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تُحل‭ ‬في‭ ‬نطاق‭ ‬الحي‭ ‬أو‭ ‬المجتمع‭ ‬المحلي‭. ‬وأشار‭ ‬إلى‭ ‬أنه‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬وجود‭ ‬نظام‭ ‬المحافظات،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬دورها‭ ‬في‭ ‬حل‭ ‬الخلافات‭ ‬والنزاعات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬ضعيف‭ ‬وغير‭ ‬فاعل،‭ ‬ما‭ ‬أدى‭ ‬إلى‭ ‬فراغ‭ ‬إداري‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬المحلي،‭ ‬تُرك‭ ‬ليُملأ‭ ‬إما‭ ‬بمكاتب‭ ‬النواب‭ ‬أو‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تدخل‭ ‬أفراد‭ ‬لا‭ ‬يملكون‭ ‬صفة‭ ‬رسمية‭. ‬وبحكم‭ ‬موقعه‭ ‬النيابي‭ ‬قال‭ ‬إنه‭ ‬يستشعر‭ ‬وجود‭ ‬فراغ‭ ‬تشريعي‭ ‬وتنظيمي‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الشؤون‭ ‬اليومية‭ ‬للمواطنين،‭ ‬وتفعيل‭ ‬نظام‭ ‬المخاتير‭ ‬وفق‭ ‬ضوابط‭ ‬قانونية‭ ‬واضحة‭ ‬سيُسهم‭ ‬في‭ ‬معالجة‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬القضايا‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬ترقى‭ ‬لتدخّل‭ ‬المحاكم‭ ‬أو‭ ‬الشرطة،‭ ‬مثل‭ ‬الخلافات‭ ‬العائلية،‭ ‬مشاكل‭ ‬الجيران،‭ ‬بعض‭ ‬القضايا‭ ‬التجارية‭ ‬البسيطة‭.‬

أغلقت‭ ‬الهاتف،‭ ‬واطلعت‭ ‬على‭ ‬تجارب‭ ‬ناجحة‭ ‬في‭ ‬بلدان‭ ‬أخرى‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬قائمة،‭ ‬في‭ ‬لبنان‭ ‬وتركيا‭ ‬مثلًا‭ ‬يُنتخب‭ ‬المختار‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬منطقته‭ ‬ويمارس‭ ‬أدوارًا‭ ‬إدارية‭ ‬واجتماعية،‭ ‬ويمثّل‭ ‬حلقة‭ ‬وصل‭ ‬مع‭ ‬المؤسسات‭ ‬الرسميّة،‭ ‬في‭ ‬مصر‭ ‬“العُمدة”‭ ‬يُعيّن‭ ‬من‭ ‬الدولة‭ ‬وله‭ ‬دور‭ ‬اجتماعي‭ ‬وأمني‭ ‬محلي،‭ ‬في‭ ‬اليابان‭ ‬يمارس‭ ‬دور‭ ‬المختار‭ ‬هناك‭ ‬“جمعيات‭ ‬الأحياء”‭ ‬التي‭ ‬يقودها‭ ‬شخص‭ ‬من‭ ‬السكان‭ ‬ينسّق‭ ‬شؤون‭ ‬الحي‭ ‬وينقل‭ ‬همومه‭ ‬للبلدية.

التجارب‭ ‬التي‭ ‬اطلعت‭ ‬عليها‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬“المختار”‭ ‬ينجح‭ ‬حين‭ ‬يكون‭ ‬جزءًا‭ ‬من‭ ‬منظومة‭ ‬قانونية‭ ‬ومجتمعية‭ ‬واضحة،‭ ‬تحدّد‭ ‬صلاحياته‭ ‬ويعمل‭ ‬ضمن‭ ‬مؤسسات‭ ‬الدولة،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬أشار‭ ‬له‭ ‬بيان‭ ‬موافقة‭ ‬مجلس‭ ‬الوزراء‭ ‬في‭ ‬أغسطس‭ ‬2011‭ ‬على‭ ‬إرساء‭ ‬نظام‭ ‬المخاتير‭ ‬ليكونوا‭ ‬عونًا‭ ‬للمحافظين‭ ‬على‭ ‬أداء‭ ‬مهماتهم‭ ‬وواجباتهم‭ ‬في‭ ‬تكريس‭ ‬مفهوم‭ ‬المواطنة‭ ‬وتعميق‭ ‬الهوية‭ ‬الوطنية‭ ‬والمساهمة‭ ‬في‭ ‬صون‭ ‬الأمن‭ ‬وترسيخ‭ ‬مفهوم‭ ‬الشراكة‭ ‬المجتمعية‭.‬

ختامًا‭ ‬هذه‭ ‬فرصة‭ ‬لتأمّل‭ ‬أوسع‭ ‬في‭ ‬تفعيل‭ ‬نظام‭ ‬“المخاتير”‭ ‬وكيف‭ ‬يمكن‭ ‬تطويره‭ ‬بما‭ ‬يتناسب‭ ‬وخصوصيتنا‭ ‬البحرينية‭ ‬دون‭ ‬تصادم‭ ‬مع‭ ‬دور‭ ‬المجالس‭ ‬البلدية‭ ‬ويتكامل‭ ‬مع‭ ‬دور‭ ‬المحافظات،‭ ‬إعادة‭ ‬نظام‭ ‬المخاتير‭ ‬مقترح‭ ‬جدير‭ ‬بالاهتمام،‭ ‬وقد‭ ‬يكون‭ ‬خطوة‭ ‬للأمام‭ ‬إذا‭ ‬صيغ‭ ‬في‭ ‬إطار‭ ‬قانوني‭ ‬حديث‭.‬

 

كاتب‭ ‬بحريني