قمة جبل جليد الحوادث المرورية

| غسان الشهابي

تابعنا‭ ‬المطالب‭ ‬الشعبية‭ ‬بتغليظ‭ ‬العقوبات‭ ‬على‭ ‬مرتكبي‭ ‬الحوادث‭ ‬المرورية،‭ ‬خصوصًا‭ ‬بعد‭ ‬تصادف‭ ‬تكرار‭ ‬تلك‭ ‬الحوادث‭ ‬المؤدية‭ ‬إلى‭ ‬الوفاة،‭ ‬ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬فقدان‭ ‬الأرواح‭ ‬نتيجة‭ ‬الاستهتار‭ ‬وقيادة‭ ‬المركبات‭ ‬بغير‭ ‬انتباه،‭ ‬أو‭ ‬بنوع‭ ‬من‭ ‬المغامرات‭ ‬الصبيانية،‭ ‬من‭ ‬الأمور‭ ‬المؤلمة،‭ ‬ولا‭ ‬يدانيها‭ ‬ألمًا‭ ‬إلا‭ ‬بأن‭ ‬تترك‭ ‬بعض‭ ‬هذه‭ ‬الحوادث‭ ‬أفرادًا‭ ‬عاجزين‭ ‬يعيشون‭ ‬طيلة‭ ‬حياتهم‭ ‬ذكرى‭ ‬تلك‭ ‬الحوادث‭.‬

إلا‭ ‬أن‭ ‬الحوادث‭ ‬المرورية‭ ‬ما‭ ‬هي‭ ‬إلا‭ ‬قمة‭ ‬جبل‭ ‬الجليد‭ ‬التي‭ ‬نراها‭ ‬رأي‭ ‬العين،‭ ‬بينما‭ ‬يغطس‭ ‬في‭ ‬أسفل‭ ‬السطح‭ ‬الجزء‭ ‬الأكبر‭ ‬من‭ ‬المشكلة‭ ‬التي‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬جهود‭ ‬مضنية‭ ‬ومستمرة‭ ‬لا‭ ‬تتراخى،‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬نقلها‭ ‬من‭ ‬الواقع‭ ‬إلى‭ ‬الوضع‭ ‬الذي‭ ‬يرجوه‭ ‬الجميع‭.‬

فالمعروف‭ ‬في‭ ‬علم‭ ‬النفس،‭ ‬أنه‭ ‬كلما‭ ‬قلت‭ ‬المساحة‭ ‬المحيطة‭ ‬بالفرد،‭ ‬كلما‭ ‬كان‭ ‬أكثر‭ ‬توترًا‭ ‬وعصبية،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬ينتجه‭ ‬الازدحام‭ ‬المروري،‭ ‬والذي‭ ‬يبرر‭ ‬للبعض‭ (‬والبعض‭ ‬هنا‭ ‬ليسوا‭ ‬قلة‭) ‬مخالفة‭ ‬قواعد‭ ‬السير،‭ ‬وقطع‭ ‬الإشارات‭ ‬الحمراء‭ ‬في‭ ‬تقاطعات‭ ‬معروفة‭ ‬تمامًا،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬العاصمة‭ (‬تقاطع‭ ‬بنك‭ ‬الخليج‭ ‬الدولي،‭ ‬والمرفأ‭ ‬المالي،‭ ‬وبناية‭ ‬مواقف‭ ‬السيارات‭...)‬،‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬وجود‭ ‬من‭ ‬يدوّن‭ ‬المخالفات،‭ ‬وصرامة‭ ‬استدعائهم‭ ‬لتنفيذ‭ ‬العقوبة،‭ ‬وكذلك‭ ‬انتشار‭ ‬ظاهرة‭ ‬“فتح”‭ ‬سائقين‭ ‬مسارات‭ ‬إضافية‭ ‬للاتجاه‭ ‬يسارًا‭ (‬مثلًا‭) ‬مخالفة‭ ‬للقانون‭ ‬فقط‭ ‬لاعتقادهم‭ ‬أنهم‭ ‬“أفضل”‭ ‬من‭ ‬غيرهم‭ ‬ولا‭ ‬يليق‭ ‬بهم‭ ‬الانتظار‭ ‬حتى‭ ‬يصل‭ ‬دورهم‭ ‬عند‭ ‬الإشارة،‭ ‬والقيادة‭ ‬مساء‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬إضاءة‭ ‬الأنوار‭ ‬الأمامية‭ ‬أو‭ ‬الخلفية‭.

‭ ‬سواء‭ ‬كانت‭ ‬معطلة،‭ ‬أو‭ ‬كسلًا‭ ‬من‭ ‬السائقين،‭ ‬وعدم‭ ‬استخدام‭ ‬الإشارات‭ ‬للانحراف‭ ‬يمينًا‭ ‬أو‭ ‬يسارًا،‭ ‬إذ‭ ‬يعتبرها‭ ‬البعض‭ ‬رفاهية‭ ‬ولا‭ ‬قيمة‭ ‬لها،‭ ‬والتنمّر‭ ‬الذي‭ ‬يمارسه‭ ‬سائقون‭ ‬ضد‭ ‬الآخرين‭ - ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬المسار‭ ‬الأيسر‭ - ‬إذ‭ ‬يضغطون‭ ‬عليهم‭ ‬بالاقتراب‭ ‬منهم‭ ‬من‭ ‬الخلف‭ ‬بمسافة‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تزيد‭ ‬عن‭ ‬المتر‭ ‬الواحد‭. ‬

ولنا‭ ‬في‭ ‬شارع‭ ‬الشيخ‭ ‬خليفة‭ ‬نماذج‭ ‬يومية‭ ‬لابد‭ ‬أن‭ ‬كاميرات‭ ‬الشارع‭ ‬تصورها،‭ ‬فتربك‭ ‬السائق‭ ‬بالأمام‭ ‬وقد‭ ‬تودي‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬يرتكب‭ ‬حادثًا‭ ‬وهو‭ ‬يحاول‭ ‬الإفلات‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الضغط،‭ ‬ناهيك‭ ‬عن‭ ‬“أم‭ ‬المصائب”،‭ ‬أي‭ ‬استخدام‭ ‬النقال‭ ‬باليد‭ ‬أثناء‭ ‬القيادة،‭ ‬وأختم‭ ‬بالاعتداء‭ ‬على‭ ‬الشوارع‭ - ‬خصوصًا‭ ‬الضيقة‭ ‬منها‭ - ‬بالوقوف‭ ‬لشراء‭ ‬شيء‭ ‬من‭ ‬البقالة‭ ‬حتى‭ ‬لا‭ ‬ينزل‭ ‬السائق،‭ ‬ويطلب‭ ‬ممن‭ ‬هم‭ ‬وراءه‭ ‬تجاوزه‭ ‬بالدخول‭ ‬إلى‭ ‬المسار‭ ‬المعاكس‭ ‬ريثما‭ ‬يستلم‭ ‬هو‭ ‬زجاجة‭ ‬ماء‭.‬

كل‭ ‬هذه‭ ‬النماذج‭ ‬من‭ ‬المظاهر‭ ‬التي‭ ‬أصبحت‭ ‬هي‭ ‬السائد‭ ‬اليوم،‭ ‬وصار‭ ‬الغريب‭ ‬هو‭ ‬من‭ ‬يستغربها‭ ‬ويستنكرها،‭ ‬فالأسوأ‭ ‬من‭ ‬المخالفة،‭ ‬هو‭ ‬التعايش‭ ‬معها‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬اليوميات؛‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬–‭ ‬وأكثر‭ - ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬معالجة،‭ ‬إلى‭ ‬صرامة‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬قسوة،‭ ‬لإعادة‭ ‬“الذوق”‭ ‬الذي‭ ‬تردّى،‭ ‬حتى‭ ‬تعود‭ ‬للبحرين‭ ‬سمعتها‭ ‬في‭ ‬السواقة‭ ‬التي‭ ‬فقدتها‭ ‬عبر‭ ‬السنوات‭.‬

 

كاتب‭ ‬بحريني