بروناي في مفترق خيارات اقتصادية

| عبدالله بوقس

الثروة‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تستند‭ ‬إلى‭ ‬تنويع،‭ ‬كالسفينة‭ ‬بلا‭ ‬شراع؛‭ ‬تطفو‭ ‬بسلام‭ ‬ظاهري‭ ‬لكنها‭ ‬عمياء‭ ‬أمام‭ ‬العواصف‭. ‬وهذه‭ ‬الصورة‭ ‬تجسد‭ ‬تمامًا‭ ‬المشهد‭ ‬الذي‭ ‬يواجه‭ ‬اقتصاد‭ ‬سلطنة‭ ‬بروناي‭ ‬وهو‭ ‬يختبر‭ ‬التنوع؛‭ ‬اقتصاد‭ ‬ظل‭ ‬رهين‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭ ‬لعقود،‭ ‬معلقًا‭ ‬بين‭ ‬وفرة‭ ‬مؤقتة‭ ‬وهشاشة‭ ‬مؤجلة‭. ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬مورد‭ ‬واحد‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬ضمانة،‭ ‬بل‭ ‬مقامرة‭ ‬أمام‭ ‬تقلبات‭ ‬الأسواق‭ ‬وتحولات‭ ‬العالم،‭ ‬في‭ ‬زمن‭ ‬تتساقط‭ ‬فيه‭ ‬أوراق‭ ‬الكربون،‭ ‬بينما‭ ‬تندفع‭ ‬الاقتصادات‭ ‬نحو‭ ‬مسارات‭ ‬أكثر‭ ‬مرونة‭ ‬واستدامة‭.‬

الأرقام‭ ‬هنا‭ ‬أكثر‭ ‬فصاحة‭ ‬من‭ ‬أي‭ ‬خطاب‭. ‬نحو‭ ‬78‭ % ‬من‭ ‬إيرادات‭ ‬السلطنة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬مرهونة‭ ‬بالنفط‭ ‬والغاز،‭ ‬بحسب‭ ‬تقرير‭ ‬صندوق‭ ‬النقد‭ ‬الدولي‭ ‬لعام‭ ‬2024‭. ‬أما‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي‭ ‬فيبلغ‭ ‬بالكاد‭ ‬20‭.‬7‭  ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬أميركي،‭ ‬مقابل‭ ‬صندوق‭ ‬سيادي‭ ‬يناهز‭ ‬73‭ ‬مليار‭ ‬دولار،‭ ‬وفق‭ ‬بيانات‭ ‬وزارة‭ ‬المالية‭ ‬والاقتصاد‭ ‬في‭ ‬بروناي‭.‬

هنا‭ ‬تتجلى‭ ‬المفارقة‭ ‬بوضوح‭: ‬اقتصاد‭ ‬صغير‭ ‬يحتمي‭ ‬بثروة‭ ‬سيادية‭ ‬تفوق‭ ‬حجمه‭ ‬بثلاثة‭ ‬أضعاف،‭ ‬لكنه‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬مكبلًّا‭ ‬بقيود‭ ‬الاعتماد‭ ‬الأحادي‭ ‬على‭ ‬النفط‭ ‬والغاز‭.‬

في‭ ‬مواجهة‭ ‬هذه‭ ‬المعادلة‭ ‬الصعبة،‭ ‬تواصل‭ ‬بروناي‭ ‬المضي‭ ‬في‭ ‬تنفيذ‭ ‬رؤيتها‭ ‬الوطنية‭ ‬2035‭ ‬بوصفها‭ ‬مشروعًا‭ ‬تحويليًّا‭ ‬يعيد‭ ‬صياغة‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والمجتمع‭ ‬معًا‭. ‬تستند‭ ‬الرؤية‭ ‬إلى‭ ‬ثلاثة‭ ‬محاور‭ ‬مترابطة‭: ‬تنمية‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬البشري،‭ ‬وتعزيز‭ ‬جودة‭ ‬الحياة،‭ ‬وبناء‭ ‬اقتصاد‭ ‬ديناميكي‭ ‬ومتنوع‭. ‬هذه‭ ‬ليست‭ ‬أهدافًا‭ ‬نظرية،‭ ‬بل‭ ‬إطارًا‭ ‬استراتيجيًّا‭ ‬يسعى‭ ‬لتمكين‭ ‬المواطن،‭ ‬وتحفيز‭ ‬القطاعات‭ ‬الإنتاجية،‭ ‬وتحقيق‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬التنمية‭ ‬المادية‭ ‬والرفاه‭ ‬الاجتماعي‭.‬

ورغم‭ ‬أن‭ ‬القطاعات‭ ‬غير‭ ‬النفطية‭ ‬تسهم‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬50‭ % ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬المحلي‭ ‬الإجمالي،‭ ‬بحسب‭ ‬تقرير‭ ‬البنك‭ ‬الآسيوي‭ ‬للتنمية‭ ‬لعام‭ ‬2024،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬النسبة‭ ‬لا‭ ‬تعني‭ ‬تحرر‭ ‬الاقتصاد‭ ‬بالكامل‭. ‬إذ‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬الإيرادات‭ ‬العامة‭ ‬تعتمد‭ ‬بشكل‭ ‬مفرط‭ ‬على‭ ‬القطاع‭ ‬الهيدروكربوني‭.‬

من‭ ‬منظور‭ ‬خليجي،‭ ‬تبدو‭ ‬بروناي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مجرد‭ ‬سوق‭ ‬ناشئة؛‭ ‬إنها‭ ‬بوابة‭ ‬استراتيجية‭ ‬نحو‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬حيث‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬650‭ ‬مليون‭ ‬مستهلك‭. ‬والروابط‭ ‬الثقافية‭ ‬والتشريعية‭ ‬مع‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الخليجية‭ ‬تمنحها‭ ‬جاذبية‭ ‬مضاعفة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬قطاعات‭ ‬مثل‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة‭ ‬والغاز‭ ‬المسال‭ ‬والصناعات‭ ‬الحلال‭ ‬والخدمات‭ ‬المالية‭ ‬الإسلامية‭. ‬هذه‭ ‬المساحات‭ ‬الاستثمارية‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬مجدية‭ ‬ماليًّا،‭ ‬بل‭ ‬تتناغم‭ ‬مع‭ ‬العقلية‭ ‬الخليجية‭ ‬الباحثة‭ ‬عن‭ ‬توسع‭ ‬يجمع‭ ‬بين‭ ‬الربحية‭ ‬والأخلاق‭ ‬معًا‭.‬

لكن،‭ ‬لا‭ ‬رومانسية‭ ‬في‭ ‬المعادلات‭ ‬الاقتصادية؛‭ ‬فالسوق‭ ‬في‭ ‬بروناي‭ ‬صغيرة،‭ ‬والقوى‭ ‬العاملة‭ ‬شحيحة،‭ ‬والبيروقراطية‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬تعيق‭ ‬وتيرة‭ ‬الإصلاح‭. ‬ورغم‭ ‬ذلك،‭ ‬تظل‭ ‬هذه‭ ‬التحديات‭ ‬مألوفة‭ ‬للمستثمر‭ ‬الخليجي،‭ ‬الذي‭ ‬اعتاد‭ ‬على‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬بيئات‭ ‬أكثر‭ ‬تعقيدًا،‭ ‬سواء‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الناشئة‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬داخل‭ ‬الاقتصادات‭ ‬النفطية‭ ‬ذاتها‭ ‬قبل‭ ‬عقود‭.‬

بروناي‭ ‬نموذج‭ ‬لسوق‭ ‬تختبر‭ ‬فعليًّا‭ ‬معادلة‭ ‬التنوع‭ ‬بين‭ ‬ثروة‭ ‬تحت‭ ‬الأرض‭ ‬وحلم‭ ‬اقتصاد‭ ‬فوقها؛‭ ‬تحتاج‭ ‬إلى‭ ‬مستثمر‭ ‬يفهم‭ ‬معادلة‭ ‬العائد‭ ‬مقابل‭ ‬المخاطرة،‭ ‬ويتقن‭ ‬فن‭ ‬الاستثمار‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬المتخصصة،‭ ‬لأن‭ ‬من‭ ‬يتأخر‭ ‬عن‭ ‬القفز‭ ‬من‭ ‬سفينة‭ ‬النفط‭ ‬سيفقد‭ ‬مقعده‭ ‬في‭ ‬رحلة‭ ‬العالم‭ ‬المتغير‭.‬

‭* ‬صحافي‭ ‬وكاتب‭ ‬إندونيسي،‭ ‬مهتم‭ ‬بشؤون‭ ‬منطقة‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬كوالالمبور