التضخم التشريعي.. هل كثرة القوانين تخدم الاقتصاد؟

| رجب قاسم

‭ ‬مما‭ ‬لا‭ ‬شك‭ ‬فيه‭ ‬أن‭ ‬القانون‭ ‬هو‭ ‬الأداة‭ ‬التي‭ ‬تصوغ‭ ‬بها‭ ‬الدول‭ ‬أنظمتها،‭ ‬وتبني‭ ‬من‭ ‬خلالها‭ ‬مؤسساتها،‭ ‬وتضبط‭ ‬بها‭ ‬علاقات‭ ‬الأفراد‭ ‬ببعضهم‭ ‬وبالسلطة‭ ‬العامة‭. ‬وإذ‭ ‬كان‭ ‬المبدأ‭ ‬الراسخ‭ ‬أن‭ ‬“لا‭ ‬جريمة‭ ‬ولا‭ ‬عقوبة‭ ‬إلا‭ ‬بنص”،‭ ‬فإن‭ ‬النص‭ ‬القانوني‭ ‬كان‭ ‬دومًا‭ ‬حجر‭ ‬الزاوية‭ ‬في‭ ‬إقامة‭ ‬العدل،‭ ‬وتحقيق‭ ‬الأمن،‭ ‬وصيانة‭ ‬الحقوق‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬التشريع‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬الإفراط،‭ ‬أو‭ ‬ما‭ ‬يُعرف‭ ‬اصطلاحًا‭ ‬بـ”التضخم‭ ‬التشريعي”،‭ ‬قد‭ ‬أصبح‭ ‬ظاهرة‭ ‬تثير‭ ‬تساؤلات‭ ‬عميقة‭ ‬حول‭ ‬العلاقة‭ ‬بين‭ ‬عدد‭ ‬القوانين‭ ‬ومدى‭ ‬تحقيق‭ ‬العدالة‭ ‬وفعالية‭ ‬النظام‭ ‬القانوني‭.‬

فهل‭ ‬تعني‭ ‬كثرة‭ ‬القوانين‭ ‬مزيدًا‭ ‬من‭ ‬العدالة‭ ‬وتخدم‭ ‬الاقتصاد؟‭ ‬وهل‭ ‬تُنتج‭ ‬الغزارة‭ ‬التشريعية‭ ‬بيئة‭ ‬قانونية‭ ‬أكثر‭ ‬استقرارًا؟‭ ‬أم‭ ‬أن‭ ‬الأمر‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬عكس‭ ‬ذلك‭ ‬تمامًا،‭ ‬حيث‭ ‬تتحول‭ ‬النصوص‭ ‬الكثيرة‭ ‬إلى‭ ‬متاهة‭ ‬تشريعية‭ ‬تُربك‭ ‬المتقاضي،‭ ‬وتثقل‭ ‬كاهل‭ ‬القاضي،‭ ‬وتفتح‭ ‬أبواب‭ ‬التلاعب‭ ‬القانوني؟

النص‭ ‬عبء

في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬العربية،‭ ‬بما‭ ‬فيها‭ ‬البحرين‭ ‬ومصر‭ ‬وسلطنة‭ ‬عُمان،‭ ‬نشهد‭ ‬تراكمًا‭ ‬تشريعيًّا‭ ‬هائلًا‭ ‬عبر‭ ‬العقود‭ ‬فالقوانين‭ ‬تصدر‭ ‬بوتيرة‭ ‬متسارعة،‭ ‬وتتزاحم‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬متقاربة،‭ ‬أحيانًا‭ ‬دون‭ ‬تنسيق‭ ‬أو‭ ‬إلغاء‭ ‬ما‭ ‬تقادم‭ ‬منها،‭ ‬مما‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬ازدواجية‭ ‬النصوص‭ ‬وتعارضها‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬الأحيان‭.‬

بل‭ ‬إن‭ ‬بعض‭ ‬القوانين‭ ‬تبقى‭ ‬سارية‭ ‬رغم‭ ‬عدم‭ ‬تطبيقها‭ ‬فعليًّا،‭ ‬مما‭ ‬يخلق‭ ‬بيئة‭ ‬قانونية‭ ‬مشوشة‭ ‬فالمحامي‭ ‬يواجه‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬القانون‭ ‬الأنسب،‭ ‬والقاضي‭ ‬قد‭ ‬يجد‭ ‬نفسه‭ ‬بين‭ ‬نصين‭ ‬متناقضين،‭ ‬والمواطن‭ ‬قد‭ ‬يجهل‭ ‬أساسًا‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬فعله‭ ‬مباحًا‭ ‬أو‭ ‬محظورًا‭.‬

تجربة‭ ‬البحرين‭ ‬

في‭ ‬مملكة‭ ‬البحرين،‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬إن‭ ‬البيئة‭ ‬التشريعية‭ ‬تطورت‭ ‬بشكل‭ ‬واضح‭ ‬خلال‭ ‬العقدين‭ ‬الماضيين،‭ ‬مع‭ ‬إصدار‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬القوانين‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاستثمارية،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬التشريع‭ ‬لم‭ ‬يواكبه‭ ‬دومًا‭ ‬تعديل‭ ‬أو‭ ‬إلغاء‭ ‬للنصوص‭ ‬السابقة‭ ‬فبعض‭ ‬القوانين‭ ‬ما‭ ‬زالت‭ ‬سارية‭ ‬رغم‭ ‬تقادمها،‭ ‬وبعضها‭ ‬الآخر‭ ‬يُعدّل‭ ‬دون‭ ‬نشر‭ ‬توضيحي‭ ‬كافٍ،‭ ‬مما‭ ‬يربك‭ ‬الفهم‭ ‬القانوني‭.‬

ومع‭ ‬أن‭ ‬المملكة‭ ‬اتخذت‭ ‬خطوات‭ ‬نحو‭ ‬توحيد‭ ‬المرجعيات‭ ‬القانونية،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬الحاجة‭ ‬ملحة‭ ‬اليوم‭ ‬لمراجعة‭ ‬شاملة‭ ‬للمخزون‭ ‬التشريعي‭ ‬وتنقيته‭ ‬من‭ ‬النصوص‭ ‬المهجورة‭ ‬أو‭ ‬المتكررة‭.‬

سلطنة‭ ‬عُمان‭ ‬

تُعد‭ ‬سلطنة‭ ‬عُمان‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬تمتاز‭ ‬ببنية‭ ‬قانونية‭ ‬هادئة‭ ‬نسبيًّا،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬شهدت‭ ‬إصدار‭ ‬عدد‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬المراسيم‭ ‬السلطانية‭ ‬والقوانين‭ ‬الجديدة،‭ ‬خصوصًا‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الاستثمار‭ ‬والتقاضي‭ ‬والإعلام‭ ‬والعمل‭ ‬والضريبة‭ ‬هذه‭ ‬الحيوية‭ ‬التشريعية‭ ‬ضرورية‭ ‬لمواكبة‭ ‬الرؤية‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الطموحة‭ ‬للسلطنة،‭ ‬لكنها‭ ‬تتطلب‭ ‬كذلك‭ ‬رؤية‭ ‬منهجية‭ ‬لضبط‭ ‬النسق‭ ‬التشريعي،‭ ‬وتلافي‭ ‬التضخم‭ ‬القانوني‭.‬

وقد‭ ‬بدأت‭ ‬وزارة‭ ‬العدل‭ ‬والشؤون‭ ‬القانونية‭ ‬بالفعل‭ ‬في‭ ‬إصدار‭ ‬نسخ‭ ‬محدثة‭ ‬من‭ ‬القوانين،‭ ‬ومراجعة‭ ‬شاملة‭ ‬للتشريعات،‭ ‬وهو‭ ‬توجه‭ ‬محمود،‭ ‬لكنه‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬استدامة‭ ‬وتوسيع‭ ‬نطاقه‭ ‬ليشمل‭ ‬المراسيم‭ ‬المتناثرة‭ ‬التي‭ ‬تنظم‭ ‬موضوعات‭ ‬متقاربة‭.‬

مصر‭ ‬

في‭ ‬مصر،‭ ‬يُعد‭ ‬التضخم‭ ‬التشريعي‭ ‬أحد‭ ‬أبرز‭ ‬ملامح‭ ‬البيئة‭ ‬القانونية‭ ‬فخلال‭ ‬سنوات‭ ‬قليلة،‭ ‬صدرت‭ ‬مئات‭ ‬القوانين‭ ‬واللوائح،‭ ‬أضيفت‭ ‬إلى‭ ‬مخزون‭ ‬تشريعي‭ ‬يزيد‭ ‬عن‭ ‬3‭ ‬آلاف‭ ‬قانون‭ ‬سارٍ‭ ‬ويعاني‭ ‬المتقاضون‭ ‬من‭ ‬تضارب‭ ‬القوانين،‭ ‬واختلاف‭ ‬المعايير،‭ ‬بل‭ ‬وتكرار‭ ‬بعض‭ ‬النصوص‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬قانون‭ ‬دون‭ ‬مبرر‭.‬

وقد‭ ‬شهدت‭ ‬مصر‭ ‬محاولات‭ ‬متكررة‭ ‬لـ”تنقية”‭ ‬المنظومة‭ ‬القانونية،‭ ‬كان‭ ‬آخرها‭ ‬إعلان‭ ‬الحكومة‭ ‬عن‭ ‬مشروع‭ ‬“مجلد‭ ‬تشريعي‭ ‬موحد”،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬هذه‭ ‬الجهود‭ ‬لم‭ ‬تكتمل‭ ‬حتى‭ ‬اليوم‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يطرح‭ ‬سؤالًا‭ ‬صريحًا‭: ‬هل‭ ‬نحن‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬القوانين،‭ ‬أم‭ ‬إلى‭ ‬قوانين‭ ‬أفضل‭ ‬وأبسط‭ ‬وأكثر‭ ‬وضوحًا؟

السعودية‭ ‬والكويت‭ ‬

في‭ ‬المملكة‭ ‬العربية‭ ‬السعودية،‭ ‬ورغم‭ ‬أن‭ ‬البيئة‭ ‬القانونية‭ ‬شهدت‭ ‬تطورًا‭ ‬جذريًّا‭ ‬في‭ ‬العقد‭ ‬الأخير،‭ ‬إلا‭ ‬أن‭ ‬التوسع‭ ‬في‭ ‬إصدار‭ ‬الأنظمة‭ ‬واللوائح‭ ‬بات‭ ‬يخلق‭ ‬حاجة‭ ‬ملحّة‭ ‬لإعادة‭ ‬ترتيب‭ ‬المنظومة‭ ‬القانونية،‭ ‬وتبسيطها،‭ ‬وإلغاء‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬يُعمل‭ ‬به‭ ‬وقد‭ ‬اتجهت‭ ‬المملكة‭ ‬في‭ ‬السنوات‭ ‬الأخيرة‭ ‬إلى‭ ‬نشر‭ ‬“القوانين‭ ‬الموحدة”‭ ‬في‭ ‬المجالات‭ ‬المدنية‭ ‬والتجارية،‭ ‬وهو‭ ‬توجه‭ ‬جدير‭ ‬بالمتابعة‭.‬

أما‭ ‬الكويت،‭ ‬فهي‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬عانت‭ ‬من‭ ‬“التشريع‭ ‬المتراكم”‭ ‬لسنوات،‭ ‬خاصة‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬بطء‭ ‬حركة‭ ‬التشريع‭ ‬في‭ ‬البرلمان،‭ ‬وتكدس‭ ‬النصوص‭ ‬القديمة‭ ‬وتبرز‭ ‬الحاجة‭ ‬هناك‭ ‬إلى‭ ‬مراجعة‭ ‬شاملة‭ ‬وشجاعة‭ ‬للمنظومة‭ ‬التشريعية،‭ ‬تتسم‭ ‬بالجرأة‭ ‬والإبداع‭.‬

كثرة‭ ‬القوانين‭ ‬

إن‭ ‬العدالة‭ ‬ليست‭ ‬في‭ ‬كثرة‭ ‬النصوص،‭ ‬بل‭ ‬في‭ ‬وضوحها‭ ‬واتساقها‭ ‬وتطبيقها‭ ‬العادل‭ ‬فالأنظمة‭ ‬القضائية‭ ‬الحديثة‭ ‬تميل‭ ‬إلى‭ ‬“التشريع‭ ‬الرشيق”،‭ ‬الذي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬قواعد‭ ‬عامة‭ ‬واضحة،‭ ‬تترك‭ ‬هامشًا‭ ‬مرنًا‭ ‬للاجتهاد‭ ‬القضائي،‭ ‬وتُجنّب‭ ‬المشرع‭ ‬الوقوع‭ ‬في‭ ‬فخ‭ ‬التفاصيل‭ ‬المُربكة‭.‬

والتضخم‭ ‬التشريعي‭ ‬لا‭ ‬يربك‭ ‬الفهم‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬يهدد‭ ‬بيئة‭ ‬الاستثمار،‭ ‬ويضعف‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬النظام‭ ‬القانوني،‭ ‬إذ‭ ‬يشعر‭ ‬أن‭ ‬القانون‭ ‬أصبح‭ ‬متاهة،‭ ‬وليس‭ ‬مرشدًا‭ ‬وهذا‭ ‬التراكم‭ ‬قد‭ ‬يُستخدم‭ ‬أحيانًا‭ ‬كسلاح‭ ‬تعسفي،‭ ‬إذ‭ ‬يُمكن‭ ‬للسلطة‭ ‬أن‭ ‬تنتقي‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬النصوص‭ ‬ما‭ ‬يخدم‭ ‬موقفها‭ ‬دون‭ ‬مراعاة‭ ‬للعدالة‭ ‬أو‭ ‬التدرج‭ ‬التشريعي‭ ‬السليم‭.‬

رؤية‭ ‬قانونية

إن‭ ‬الإصلاح‭ ‬التشريعي‭ ‬الحقيقي‭ ‬لا‭ ‬يعني‭ ‬فقط‭ ‬إصدار‭ ‬قوانين‭ ‬جديدة،‭ ‬بل‭ ‬إعادة‭ ‬نظر‭ ‬شاملة‭ ‬في‭ ‬المنظومة‭ ‬القانونية‭ ‬برمتها،‭ ‬بهدف‭ ‬التبسيط،‭ ‬والتوحيد،‭ ‬والوضوح‭ ‬فالقانون‭ ‬الناجع‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يُفهم‭ ‬من‭ ‬أول‭ ‬قراءة،‭ ‬ويُطبق‭ ‬من‭ ‬أول‭ ‬إجراء،‭ ‬وتُبنى‭ ‬عليه‭ ‬الحقوق‭ ‬والالتزامات‭ ‬دون‭ ‬حاجة‭ ‬إلى‭ ‬تأويل‭ ‬لا‭ ‬ينتهي‭.‬

وعليه،‭ ‬فإننا‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬العربي‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬“مراجعة‭ ‬تشريعية‭ ‬استراتيجية”،‭ ‬تقودها‭ ‬جهات‭ ‬مستقلة،‭ ‬وتقوم‭ ‬على‭ ‬مبادئ‭ ‬الشفافية،‭ ‬والمشاركة‭ ‬المجتمعية،‭ ‬والتقييم‭ ‬المستمر‭ ‬لأثر‭ ‬القوانين‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الوقت‭ ‬قد‭ ‬حان‭ ‬لاستخدام‭ ‬الذكاء‭ ‬الاصطناعي‭ ‬وتقنيات‭ ‬الرقمنة‭ ‬في‭ ‬فهرسة‭ ‬وتحليل‭ ‬القوانين،‭ ‬لتسهيل‭ ‬الوصول‭ ‬إليها‭ ‬ومراجعتها‭.‬

كثرة‭ ‬القوانين‭ ‬ليست‭ ‬معيارًا‭ ‬للتقدم،‭ ‬بل‭ ‬قد‭ ‬تكون‭ ‬أحيانًا‭ ‬مؤشرًا‭ ‬على‭ ‬الارتباك‭ ‬والعدالة‭ ‬الفعالة‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬بعدد‭ ‬الصفحات‭ ‬القانونية،‭ ‬بل‭ ‬بجودة‭ ‬النص،‭ ‬وسهولة‭ ‬التطبيق،‭ ‬ومقدار‭ ‬ما‭ ‬تحققه‭ ‬من‭ ‬إنصاف‭ ‬وحماية‭ ‬وازدهار‭.‬

‭* ‬مستشار‭ ‬قانوني‭ ‬مصري‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬عُمان