المبادرة السعودية الفرنسية لحل القضية الفلسطينية

| د. شمسان المناعي

بعد‭ ‬أن‭ ‬كانت‭ ‬أغلب‭ ‬الحلول‭ ‬السابقة‭ ‬للقضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬ولأكثر‭ ‬من‭ ‬سبعين‭ ‬عامًا‭ ‬لا‭ ‬تغادر‭ ‬عالم‭ ‬المثل،‭ ‬حيث‭ ‬هي‭ ‬عبارة‭ ‬عن‭ ‬مجرد‭ ‬قرارات‭ ‬على‭ ‬الورق‭ ‬وبيانات‭ ‬شجب‭ ‬واستنكار،‭ ‬جاءت‭ ‬المبادرة‭ ‬السعودية‭ ‬الفرنسية‭ ‬لكي‭ ‬تنزل‭ ‬بالحل‭ ‬للقضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬من‭ ‬عالم‭ ‬المثل‭ ‬إلى‭ ‬عالم‭ ‬الواقع‭ ‬وتصبح‭ ‬قابلة‭ ‬للتحقيق،‭ ‬فلن‭ ‬تعطي‭ ‬هذه‭ ‬المبادرة‭ ‬حلًّا‭ ‬جاهزًا‭ ‬للقضية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬إنما‭ ‬ستوجد‭ ‬واقعًا‭ ‬افتراضيًّا‭ ‬يؤسس‭ ‬لحل‭ ‬واقعي‭ ‬ونهائي‭ ‬للقضية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬عصر‭ ‬الحلول‭ ‬الجاهزة‭ ‬والمعلبة‭ ‬للقضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬ولى‭ ‬وانتهى‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬فشلت‭ ‬كل‭ ‬الحلول‭ ‬الدبلوماسية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تؤد‭ ‬إلا‭ ‬إلى‭ ‬مزيد‭ ‬من‭ ‬الضحايا‭ ‬والدمار‭ ‬كما‭ ‬يحدث‭ ‬الآن‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬ومدن‭ ‬الضفة‭ ‬الغربية،‭ ‬في‭ ‬موازاة‭ ‬ما‭ ‬يدفعه‭ ‬المدنيون‭ ‬الفلسطينيون‭ ‬من‭ ‬أطفال‭ ‬ونساء‭ ‬وشيوخ،‭ ‬حيث‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬يوم‭ ‬يستشهد‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقل‭ ‬عن‭ ‬مئة‭ ‬فلسطيني‭ ‬سواء‭ ‬بالرصاص‭ ‬أو‭ ‬بتجويع‭ ‬الأطفال‭ ‬الرضع‭ ‬على‭ ‬مرأى‭ ‬ومسمع‭ ‬من‭ ‬عالم‭ ‬يدعي‭ ‬المدنية‭ ‬والحضارة‭ ‬الإنسانية‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬الأرض‭ ‬الفلسطينية‭.‬

وفي‭ ‬نهاية‭ ‬النفق‭ ‬المظلم‭ ‬والواقع‭ ‬المرير‭ ‬يظهر‭ ‬ضوء‭ ‬وبشارة‭ ‬خير،‭ ‬حيث‭ ‬تبادر‭ ‬السعودية‭ ‬وفرنسا‭ ‬بمبادرة‭ ‬جديدة‭ ‬من‭ ‬نوعها‭ ‬تضع‭ ‬المجتمع‭ ‬الدولي‭ ‬أمام‭ ‬مسؤولياته‭ ‬التاريخية‭ ‬لإيجاد‭ ‬حل‭ ‬جديد‭ ‬من‭ ‬نوعه‭ ‬للقضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬تتم‭ ‬فيه‭ ‬دعوة‭ ‬كل‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬للاعتراف‭ ‬بدولة‭ ‬فلسطينية‭ ‬مستقلة‭ ‬كاملة‭ ‬السيادة،‭ ‬ثم‭ ‬تأتي‭ ‬مرحلة‭ ‬متقدمة‭ ‬لهذا‭ ‬الحل‭ ‬وهي‭ ‬اعتراف‭ ‬متبادل‭ ‬بين‭ ‬دولتين‭ ‬متجاورتين‭ ‬هما‭ ‬دولة‭ ‬فلسطين‭ ‬ودولة‭ ‬إسرائيل‭ ‬بما‭ ‬يسمى‭ (‬حل‭ ‬الدولتين‭)‬،‭ ‬وذلك‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تحقق‭ ‬تنتهي‭ ‬حقبة‭ ‬طويلة‭ ‬من‭ ‬الصراعات‭ ‬والحروب‭ ‬في‭ ‬المنطقة‭ ‬التي‭ ‬كلفت‭ ‬معظم‭ ‬دول‭ ‬الشرق‭ ‬الأوسط‭ ‬الكثير،‭ ‬وأعاقت‭ ‬بعض‭ ‬الدول‭ ‬عن‭ ‬تنفيذ‭ ‬خططها‭ ‬التنموية،‭ ‬وذلك‭ ‬لأنه‭ ‬لا‭ ‬تنمية‭ ‬وتطور‭ ‬بدون‭ ‬استقرار‭ ‬سياسي،‭ ‬ويحمل‭ ‬هذا‭ ‬الحل‭ ‬رؤية‭ ‬القائد‭ ‬المفكر‭ ‬ولي‭ ‬العهد‭ ‬السعودي‭ ‬سمو‭ ‬الأمير‭ ‬محمد‭ ‬بن‭ ‬سلمان‭ ‬آل‭ ‬سعود‭ ‬الذي‭ ‬يستشرق‭ ‬بفكره‭ ‬النير‭ ‬عن‭ ‬شرق‭ ‬أوسط‭ ‬جديد‭ ‬ينافس‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬تبين‭ ‬بما‭ ‬لا‭ ‬يدع‭ ‬مجالًا‭ ‬للشك‭ ‬أن‭ ‬مسار‭ ‬العنف‭ ‬والحروب‭ ‬المدمرة‭ ‬لا‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬أي‭ ‬حل‭ ‬للقضية‭ ‬الفلسطينية‭.

بل‭ ‬تساقط‭ ‬عشرات‭ ‬الضحايا‭ ‬وتدمر‭ ‬المدن‭ ‬كما‭ ‬هو‭ ‬الحال‭ ‬في‭ ‬غزة،‭ ‬وأنه‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬إيجاد‭ ‬حل‭ ‬جذري‭ ‬للقضية‭ ‬الفلسطينية‭ ‬برمتها‭ ‬وليس‭ ‬غزة‭ ‬فحسب‭.‬

ولتنفيذ‭ ‬هذه‭ ‬المبادرة‭ ‬تم‭ ‬عقد‭ ‬مؤتمر‭ ‬تحضيري‭ ‬اعترفت‭ ‬فيه‭ ‬149‭ ‬دولة‭ ‬بالدولة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬الجديدة‭ ‬والبقية‭ ‬تأتي‭ ‬حيث‭ ‬في‭ ‬شهر‭ ‬سبتمبر‭ ‬المقبل‭ ‬وعدت‭ ‬دول‭ ‬أوروبية‭ ‬وهي‭ ‬فرنسا‭ ‬وبريطانيا‭ ‬وألمانيا‭ ‬وهولندا‭ ‬بالاعتراف‭ ‬بالدولة‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬وهذا‭ ‬يعطي‭ ‬زخمًا‭ ‬كبيرًا‭ ‬لهذه‭ ‬المبادرة،‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬هذه‭ ‬الدول‭ ‬الأوروبية‭ ‬هي‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الكبرى‭ ‬التي‭ ‬لها‭ ‬عضوية‭ ‬دائمة‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬الأمن،‭ ‬ولها‭ ‬من‭ ‬التأثير‭ ‬الكبير‭ ‬على‭ ‬بقية‭ ‬دول‭ ‬العالم‭ ‬وبذلك‭ ‬تتحقق‭ ‬أمنية‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬والعرب‭ ‬في‭ ‬قيام‭ ‬دولة‭ ‬ذات‭ ‬سيادة‭ ‬وعضوية‭ ‬دائمة‭ ‬في‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬وهو‭ ‬الحلم‭ ‬العربي‭.‬

وتؤكد‭ ‬الأحداث‭ ‬والحروب‭ ‬التي‭ ‬مرت‭ ‬بها‭ ‬المنطقة‭ ‬برمتها‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬سلام‭ ‬وأمن‭ ‬بدون‭ ‬دولة‭ ‬للشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬كاملة‭ ‬السيادة،‭ ‬وهذا‭ ‬ما‭ ‬خرج‭ ‬به‭ ‬المؤتمر‭ ‬التحضيري‭ ‬الذي‭ ‬عقد‭ ‬مؤخرًا‭ ‬في‭ ‬نيويورك،‭ ‬حيث‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬البيان‭ ‬الختامي‭ ‬“اتفق‭ ‬المشاركون‭ ‬في‭ ‬المؤتمر‭ ‬على‭ ‬دعم‭ ‬هذا‭ ‬الهدف،‭ ‬وفي‭ ‬إطار‭ ‬عملية‭ ‬زمنية‭ ‬محددة،‭ ‬والوصول‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬سلام‭ ‬شامل‭ ‬وعادل‭ ‬بين‭ ‬إسرائيل‭ ‬وفلسطين‭ ‬وتنفيذه،‭ ‬وفقًا‭ ‬لقرارات‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭ ‬ذات‭ ‬الصلة،‭ ‬ومرجعيات‭ ‬مدريد،‭ ‬بما‭ ‬يشمل‭ ‬مبدأ‭ ‬الأرض‭ ‬مقابل‭ ‬السلام،‭ ‬والمبادرة‭ ‬العربية‭ ‬للسلام،‭ ‬بما‭ ‬ينهي‭ ‬الاحتلال،‭ ‬ومعالجة‭ ‬جميع‭ ‬القضايا‭ ‬النهائية‭ ‬والعالقة،‭ ‬وينهي‭ ‬جميع‭ ‬المطالبات،‭ ‬ويحقق‭ ‬السلام‭ ‬العادل‭ ‬والدائم،‭ ‬ويضمن‭ ‬الأمن‭ ‬للجميع،‭ ‬ويتيح‭ ‬التكامل‭ ‬والاعتراف‭ ‬المتبادل‭ ‬في‭ ‬المنطقة،‭ ‬مع‭ ‬الاحترام‭ ‬الكامل‭ ‬لسيادة‭ ‬الدول”،‭ ‬بحسب‭ ‬إعلان‭ ‬نيويورك‭.‬

كاتب‭ ‬وأكاديمي‭ ‬بحريني