كلام في القروض الشخصية

| أسامة مهران

نحمد‭ ‬الله‭ ‬أن‭ ‬سُعار‭ ‬القروض‭ ‬المصرفية‭ ‬الشخصية‭ ‬توقفت‭ ‬حركته‭ ‬بعد‭ ‬الانفلات‭ ‬الائتماني‭ ‬الذي‭ ‬كانت‭ ‬تشهده‭ ‬المنظومة‭ ‬المصرفية‭ ‬مع‭ ‬مطلع‭ ‬الألفية،‭ ‬كانت‭ ‬المصارف‭ ‬التجارية‭ ‬تتسابق‭ ‬مع‭ ‬بعضها‭ ‬البعض‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬تُقرض‭ ‬الأشخاص‭ ‬لمجرد‭ ‬أن‭ ‬لديهم‭ ‬راتبًا‭ ‬منتظمًا،‭ ‬وأن‭ ‬المؤسسة‭ ‬التي‭ ‬يعملون‭ ‬فيها‭ ‬ليست‭ ‬“سيئة‭ ‬السمعة”‭ ‬–‭ ‬أي‭ ‬أن‭ ‬أوضاعها‭ ‬المالية‭ ‬جيدة‭ ‬ولم‭ ‬يسبق‭ ‬لها‭ ‬التعثر،‭ ‬ولم‭ ‬تُحل‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬إلى‭ ‬المحاكم‭ ‬المتخصصة‭ ‬أو‭ ‬إلى‭ ‬النيابة‭ ‬العامة‭. ‬السباق‭ ‬كان‭ ‬على‭ ‬أشده‭ ‬بين‭ ‬المصارف‭ ‬لمنح‭ ‬قروضهم‭ ‬الشخصية،‭ ‬مكتفية‭ ‬فقط‭ ‬بهذه‭ ‬الضمانات،‭ ‬ضمان‭ ‬الراتب‭ ‬الذي‭ ‬يتم‭ ‬تحويله‭ ‬شهريًّا‭ ‬إلى‭ ‬البنك‭ ‬التجاري‭ ‬المُقرض‭.‬

مرت‭ ‬السنوات‭ ‬وانكشف‭ ‬المستور،‭ ‬حيث‭ ‬إن‭ ‬ذلك‭ ‬الرهان‭ ‬“رهان‭ ‬قوة‭ ‬الأوضاع‭ ‬المالية‭ ‬للمؤسسة‭ ‬التي‭ ‬يعمل‭ ‬فيها‭ ‬طالب‭ ‬القرض‭ ‬الشخصي”‭ ‬لم‭ ‬يدم‭ ‬طويلًا،‭ ‬سقطت‭ ‬أول‭ ‬حجارة‭ ‬الهرم‭ ‬المقلوب،‭ ‬ثم‭ ‬بقية‭ ‬الحجارة‭ ‬على‭ ‬رؤوس‭ ‬الجميع،‭ ‬فالأزمة‭ ‬الاقتصادية‭ ‬العالمية‭ ‬في‭ ‬أغسطس‭ ‬من‭ ‬العام‭ ‬2008‭ ‬ضربت‭ ‬المؤسسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬الناجحة‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مكان‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬الأرض،‭ ‬والمؤسسات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬المصارف‭ ‬تنظر‭ ‬إليها‭ ‬بعين‭ ‬الاعتبار‭ ‬دخلت‭ ‬القائمة‭ ‬السوداء،‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬يتحمله‭ ‬المصرف‭ ‬الذي‭ ‬يمنح‭ ‬القرض،‭ ‬حيث‭ ‬لديه‭ ‬احتياطات‭ ‬مالية‭ ‬قانونية‭ ‬تكفي‭ ‬لحمايته،‭ ‬وحيث‭ ‬القروض‭ ‬الممنوحة‭ ‬جميعها‭ ‬خاضعة‭ ‬بديهيًا‭ ‬لمظلة‭ ‬التأمين‭ ‬ضد‭ ‬التعثر،‭ ‬المشكلة‭ ‬والمطاردات‭ ‬القانونية‭ ‬وربما‭ ‬الجنائية‭ ‬لحقت‭ ‬فقط‭ ‬بجموع‭ ‬المقترضين‭ ‬الذين‭ ‬فقدوا‭ ‬وظائفهم‭ ‬لدى‭ ‬المؤسسات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬“المفلسة”،‭ ‬ودخلت‭ ‬المنظومة‭ ‬كلها‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬مطاردة‭ ‬منذ‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬15‭ ‬سنة‭ ‬مع‭ ‬المقترضين‭ ‬المتعثرين‭.

وسط‭ ‬إصرار‭ ‬لم‭ ‬يسبق‭ ‬له‭ ‬مثيل،‭ ‬بضرورة‭ ‬تحصيل‭ ‬كل‭ ‬مبالغ‭ ‬القروض‭ ‬المستحقة‭ ‬على‭ ‬العملاء،‭ ‬مع‭ ‬التشديد‭ ‬على‭ ‬عدم‭ ‬ترك‭ ‬الفوائد‭ ‬المركبة‭ ‬المتراكمة‭ ‬أصلًا‭ ‬للإعفاء‭ ‬البديهي‭ ‬عن‭ ‬كاهل‭ ‬هؤلاء‭ ‬المقترضين‭ ‬الذين‭ ‬لم‭ ‬يقرأوا‭ ‬الغيب،‭ ‬ولكن‭ ‬حسب‭ ‬علمي‭ ‬كانت‭ ‬المصارف‭ ‬تقرأه‭ ‬عن‭ ‬ظهر‭ ‬قلب‭.‬

المقترضون‭ ‬“الغلابة”‭ ‬الذين‭ ‬فقدوا‭ ‬وظائفهم‭ ‬لم‭ ‬يدرسوا‭ ‬الوضع‭ ‬المستقبلي‭ ‬بعد‭ ‬خمس‭ ‬أو‭ ‬عشر‭ ‬سنوات،‭ ‬بينما‭ ‬المصارف‭ ‬لديها‭ ‬من‭ ‬دوائر‭ ‬البحوث‭ ‬والاتصالات‭ ‬الدولية‭ ‬ما‭ ‬يوفر‭ ‬لها‭ ‬المعلومات‭ ‬الكافية‭ ‬عن‭ ‬مستقبل‭ ‬الأوضاع،‭ ‬بل‭ ‬وعن‭ ‬ماضي‭ ‬الأيام‭ ‬لتحتفظ‭ ‬بها‭ ‬لديها‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬الرقمية‭ ‬المصرفية‭.‬

المقترضون‭ ‬وحدهم‭ ‬ودون‭ ‬غيرهم‭ ‬ظلوا‭ ‬خارج‭ ‬دائرة‭ ‬القانون،‭ ‬اعتبرتهم‭ ‬المصارف‭ ‬أنهم‭ ‬حصلوا‭ ‬على‭ ‬أموال‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬وجه‭ ‬حق،‭ ‬وأنهم‭ ‬في‭ ‬عداد‭ ‬اللصوص‭ ‬الذين‭ ‬حصلوا‭ ‬على‭ ‬القرض‭ ‬من‭ ‬البنك‭ ‬مقابل‭ ‬شيك‭ ‬شخصي‭ ‬من‭ ‬دون‭ ‬رصيد‭.‬

وهنا‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬وقفة‭ ‬مع‭ ‬ذوي‭ ‬الاختصاص،‭ ‬مع‭ ‬رجال‭ ‬القانون،‭ ‬بل‭ ‬ومع‭ ‬القانون‭ ‬الذي‭ ‬ينظم‭ ‬العمل‭ ‬بالشيكات،‭ ‬متى‭ ‬يصبح‭ ‬الشيك‭ ‬صادرًا‭ ‬بسوء‭ ‬نية؟‭ ‬والجواب‭ ‬في‭ ‬غاية‭ ‬البساطة‭: ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬هذا‭ ‬الشيك‭ ‬شخصيًّا‭ ‬ومن‭ ‬حساب‭ ‬مصدره،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬أنه‭ ‬كان‭ ‬يعلم‭ ‬أن‭ ‬حسابه‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬به‭ ‬المبلغ‭ ‬المدون‭ ‬بالشيك‭. ‬أما‭ ‬الشيكات‭ ‬التي‭ ‬تصدرها‭ ‬البنوك‭ ‬للحاصلين‭ ‬على‭ ‬قروض،‭ ‬فهي‭ ‬شيكات‭ ‬لم‭ ‬يصدرها‭ ‬“المتهم”‭ ‬لكن‭ ‬الذي‭ ‬أصدرها‭ ‬هو‭ ‬البنك‭ ‬ضمانًا‭ ‬للقرض‭ ‬وليس‭ ‬كأداة‭ ‬وفاء،‭ ‬وهناك‭ ‬فرق‭ ‬حسب‭ ‬معلوماتي‭ ‬القانونية‭ ‬المتواضعة‭ ‬بين‭ ‬أداة‭ ‬الضمان‭ ‬وأداة‭ ‬الوفاء،‭ ‬لكن‭ ‬هل‭ ‬يتم‭ ‬العمل‭ ‬بهذه‭ ‬القاعدة‭ ‬البديهية؟

أعتقد‭ ‬أن‭ ‬البنوك‭ ‬بماكينة‭ ‬تحصيل‭ ‬مديونياتها،‭ ‬وبآليات‭ ‬عملها‭ ‬القانوني،‭ ‬تدرك‭ ‬جيدًا‭ ‬كيف‭ ‬تعيد‭ ‬أموالها‭ ‬إليها‭ ‬رغم‭ ‬أنها‭ ‬عادت‭ ‬إذا‭ ‬ثبت‭ ‬بأن‭ ‬المؤسسة‭ ‬التي‭ ‬ينتمي‭ ‬إليها‭ ‬المقترض‭ ‬قد‭ ‬أفلست،‭ ‬وإذا‭ ‬تأكد‭ ‬يقينًا‭ ‬لدى‭ ‬الجهات‭ ‬ذات‭ ‬الصلة‭ ‬أن‭ ‬المقترض‭ ‬المسكين‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬لديه‭ ‬أي‭ ‬يد‭ ‬في‭ ‬إفلاس‭ ‬شركته‭. ‬الحمد‭ ‬لله‭ ‬أن‭ ‬المصارف‭ ‬أدركت‭ ‬خطورة‭ ‬الوضع،‭ ‬وفهمت‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬لو‭ ‬زاد‭ ‬عن‭ ‬حده‭ ‬انقلب‭ ‬إلى‭ ‬ضده‭.‬

 

كاتب‭ ‬بحريني‭ ‬والمستشار‭ ‬الإعلامي‭ ‬للجامعة‭ ‬الأهلية