العدالة التي لا يسنّها القانون

| فاطمة عادل سند

ندوب‭ ‬الطفولة‭ ‬لا‭ ‬تزول‭ ‬ولا‭ ‬تمحى،‭ ‬والأطفال‭ ‬مرآة‭ ‬أهلهم،‭ ‬وحياتهم‭ ‬المستقبلية‭ ‬غير‭ ‬منفكّة‭ ‬عما‭ ‬مرّوا‭ ‬به‭ ‬من‭ ‬تجارب‭ ‬وخبرات‭ ‬في‭ ‬طفولتهم،‭ ‬وفي‭ ‬كل‭ ‬عائلة‭ ‬مجتمع‭ ‬أطفال‭ ‬مُصغّر‭ ‬من‭ ‬الأحفاد‭ ‬من‭ ‬أبناء‭ ‬الإخوة‭ ‬والأخوات،‭ ‬يكون‭ ‬التعامل‭ ‬معهم‭ ‬عادة‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬العدالة‭ ‬والإنصاف‭ ‬والمساواة،‭ ‬وإن‭ ‬لم‭ ‬نفعل‭ ‬فقد‭ ‬نزرع،‭ ‬ولو‭ ‬دونَ‭ ‬قصدٍ،‭ ‬ضغينة‭ ‬وحقدا‭ ‬وألما‭ ‬سيحصد‭ ‬ثمرته‭ ‬الطفل‭ ‬والمجتمع‭.‬

وتنتشر‭ ‬في‭ ‬مجتمعنا‭ ‬عدة‭ ‬أحكام‭ ‬مسبقة‭ ‬وصورًا‭ ‬نمطية‭ ‬وبعض‭ ‬الممارسات‭ ‬المتوارثة‭ ‬تصنّف‭ ‬الأحفاد‭ ‬وتميّز‭ ‬بينهم؛‭ ‬فهذا‭ ‬الأغلى‭ ‬والأعز‭ ‬والأقرب،‭ ‬وذاك‭ ‬دون‭ ‬ذلك‭! ‬وغالبًا‭ ‬ما‭ ‬تحول‭ ‬الثقافة‭ ‬والتحضّر‭ ‬والتعلّم‭ ‬والتفقّه‭ ‬الديني‭ ‬دون‭ ‬هذا‭ ‬التمييز‭ ‬وتلك‭ ‬الممارسات‭. ‬ولكن،‭ ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬ذلك،‭ ‬نجد‭ ‬من‭ ‬يستهين‭ ‬بسيكولوجية‭ ‬الطفل‭ ‬فيعرّضه‭ ‬لمواقف‭ ‬يشعر‭ ‬معها‭ ‬بالتمييز‭ ‬والظلم‭ ‬والتفرقة،‭ ‬ويعجز‭ ‬عن‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬ذلك‭ ‬لضعف‭ ‬حجّته‭ ‬في‭ ‬قرارة‭ ‬نفسه‭ ‬أو‭ ‬لِـ‭ ‬“قِصَرِ”‭ ‬صوته‭ ‬بين‭ ‬الكبار‭ ‬أو‭ ‬لاحترامه‭ ‬لهم‭ ‬وحيائه‭ ‬من‭ ‬الدفاع‭ ‬عن‭ ‬نفسه‭ ‬بينهم‭. ‬وقد‭ ‬تستمرّ‭ ‬هذه‭ ‬الممارسات‭ ‬العائلية‭ ‬الخاطئة‭ ‬مع‭ ‬تقدّم‭ ‬الطفل‭ ‬في‭ ‬العمر؛‭ ‬فيرصد‭ ‬الفروقات‭ ‬في‭ ‬المعاملة‭ ‬وينتبه‭ ‬إلى‭ ‬التمييز‭ ‬بوضوح،‭ ‬فيتعمّق‭ ‬فيه‭ ‬الجرح‭ ‬النفسي،‭ ‬وتتصدّع‭ ‬العلاقات‭ ‬بين‭ ‬مجتمع‭ ‬الأطفال‭ ‬العائلي،‭ ‬وينعكس‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬على‭ ‬شخصية‭ ‬الطفل‭ ‬بشكل‭ ‬سلبي،‭ ‬وغالبًا‭ ‬ما‭ ‬يكبر‭ ‬فيه‭ ‬ذلك‭ ‬الجرح،‭ ‬بل‭ ‬ويتحوّل‭ ‬أحيانًا‭ ‬إلى‭ ‬عقد‭ ‬نفسية‭.‬

وتتضاعف‭ ‬الخطورة‭ ‬حين‭ ‬يعيد‭ ‬ذلك‭ ‬الطفل‭ ‬إنتاج‭ ‬تلك‭ ‬الممارسات‭ ‬وهو‭ ‬كبير؛‭ ‬إذْ‭ ‬يتأثّر‭ ‬بما‭ ‬رسخ‭ ‬في‭ ‬الذاكرة‭ ‬من‭ ‬مشاهد‭ ‬اللاعدالة‭ ‬والتمييز،‭ ‬معتقدا‭ ‬أنّ‭ ‬هذا‭ ‬الحفيد‭ ‬أو‭ ‬ذاك‭ ‬هو‭ ‬الأعزّ‭ ‬والأحب،‭ ‬وبهذا‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬حلقة‭ ‬مغلقة‭ ‬حيث‭ ‬يعيد‭ ‬تكرار‭ ‬ما‭ ‬اكتسبه‭ ‬من‭ ‬“أحكام”‭ ‬بشكلٍ‭ ‬لا‭ ‬واعٍ‭ ‬في‭ ‬دائرته‭ ‬العائلية‭ ‬المصغّرة،‭ ‬أو‭ ‬دائرته‭ ‬المجتمعية‭ ‬الأكبر‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬بلغ‭ ‬من‭ ‬الحكمة‭ ‬قدْرًا‭ ‬يمكنه‭ ‬من‭ ‬التشافي‭ ‬من‭ ‬ندوب‭ ‬الطفولة‭ ‬وكسر‭ ‬حلقة‭ ‬الماضي‭.‬

بذرة‭ ‬العدالة‭ ‬تُزرَع‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬مبكرة‭ ‬جدًا‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬العائلي‭ ‬وتقتضي‭ ‬تحقيق‭ ‬الإنصاف‭ ‬وعدم‭ ‬الانحياز‭ ‬والمساواة‭ ‬في‭ ‬المعاملة.

وليس‭ ‬من‭ ‬ضابط‭ ‬لتحقيق‭ ‬العدالة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬السياق‭ ‬سوى‭ ‬تحكيم‭ ‬الضمير‭ ‬الإنساني‭ ‬لأنّنا‭ ‬في‭ ‬منطقة‭ ‬“ما‭ ‬دون‭ ‬القانون”؛‭ ‬إذْ‭ ‬لا‭ ‬يوجد‭ ‬قانون‭ ‬يُلزم‭ ‬الجدّ‭ ‬والجدة‭ ‬أو‭ ‬العم‭ ‬والعمة‭ ‬أو‭ ‬الخال‭ ‬والخالة‭ ‬بالمعاملة‭ ‬العادلة،‭ ‬أو‭ ‬يخالفهم‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬الإخلال‭ ‬بها‭ ‬إلا‭ ‬تلك‭ ‬الضوابط‭ ‬والقيم‭ ‬النابعة‭ ‬من‭ ‬الشخص‭ ‬ذاته‭.‬

إنّ‭ ‬العدالة‭ ‬اسم‭ ‬مشتق‭ ‬من‭ ‬اسم‭ ‬الله‭ ‬العادل،‭ ‬والعدل‭ ‬صفة‭ ‬من‭ ‬صفاته‭ ‬عزّ‭ ‬وجلّ،‭ ‬والأطفال‭ ‬هم‭ ‬أحبابه‭ ‬سبحانه،‭ ‬ولا‭ ‬يرضى‭ ‬لأحبابه‭ ‬سوى‭ ‬العدل‭ ‬والإنصاف‭ ‬في‭ ‬المعاملة‭.. ‬فلنكن‭ ‬بهم‭ ‬رحماء‭ ‬رفقاء،‭ ‬ولنحذر‭ ‬الاعتباطية‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬معهم؛‭ ‬لأنّ‭ ‬الكبير‭ ‬قد‭ ‬ينسى،‭ ‬بينما‭ ‬الطفل‭ ‬يكبر‭ ‬ولا‭ ‬ينسى‭ ‬بعكس‭ ‬ما‭ ‬قيل‭ ‬له‭ ‬في‭ ‬صغره‭ )‬تكبر‭ ‬وتنسى).

كاتبة‭ ‬بحرينية‭ ‬وباحثة‭ ‬قانونية