بسنا مشاريع!

| زهير توفيقي

‭ ‬من‭ ‬منا‭ ‬لا‭ ‬يتذكر‭ ‬مسلسل‭ ‬درب‭ ‬الزلق،‭ ‬وتحديدًا‭ ‬الفقرة‭ ‬المشهورة‭ ‬التي‭ ‬قال‭ ‬فيها‭ ‬الفنان‭ ‬القدير‭ ‬سعد‭ ‬الفرج‭ ‬“بسنا‭ ‬فلوس‭ ‬يا‭ ‬حسين”،‭ ‬هذه‭ ‬الفقرة‭ ‬الطريفة‭ ‬التي‭ ‬يتداولها‭ ‬الناس‭ ‬إلى‭ ‬يومنا‭ ‬هذا،‭ ‬تذكرني‭ ‬بالمشاريع‭ ‬“الرنانة”‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬التصريحات‭ ‬الصحافية،‭ ‬فقد‭ ‬طالعتنا‭ ‬الصحف‭ ‬المحلية‭ ‬مؤخرًا‭ ‬بموافقة‭ ‬مجلس‭ ‬أمانة‭ ‬العاصمة‭ ‬على‭ ‬مقترحين‭ ‬بلديين‭ ‬طموحين‭ ‬يهدفان‭ ‬إلى‭ ‬جذب‭ ‬استثمارات‭ ‬عالمية‭ ‬ضخمة،‭ ‬تمهيدًا‭ ‬لإنشاء‭ ‬مشاريع‭ ‬سياحية‭ ‬كبرى‭ ‬في‭ ‬البحرين‭ ‬قد‭ ‬ترقى‭ ‬إلى‭ ‬مستوى‭ ‬“ديزني‭ ‬لاند”‭ ‬أو‭ ‬“يونيفرسال‭ ‬ستوديوز”،‭ ‬بحسب‭ ‬ما‭ ‬جاء‭ ‬في‭ ‬الخبر‭ ‬الصحافي‭! ‬ويتمثل‭ ‬المقترحان‭ ‬في‭ ‬إنشاء‭ ‬محفظة‭ ‬استثمارية‭ ‬خاصة‭ ‬بالمشاريع‭ ‬البلدية،‭ ‬وتنظيم‭ ‬منتدى‭ ‬سنوي‭ ‬للاستثمار‭ ‬البلدي‭.‬

لا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬الفكرة‭ ‬في‭ ‬ظاهرها‭ ‬جميلة،‭ ‬وتعكس‭ ‬رغبة‭ ‬في‭ ‬المساهمة‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬أهداف‭ ‬رؤية‭ ‬البحرين‭ ‬2030،‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬تنشيط‭ ‬الاستثمار‭ ‬البلدي،‭ ‬وفتح‭ ‬الأبواب‭ ‬أمام‭ ‬شركات‭ ‬عالمية‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الترفيه‭ ‬والسياحة،‭ ‬لكن‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬لابد‭ ‬أن‭ ‬يُطرح‭ ‬بواقعية‭: ‬ما‭ ‬مدى‭ ‬قابلية‭ ‬هذه‭ ‬الأفكار‭ ‬للتحقق‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع؟‭ ‬لقد‭ ‬تعوّدنا‭ ‬على‭ ‬مقترحات‭ ‬مشابهة‭ ‬تُعلن‭ ‬بين‭ ‬حين‭ ‬وآخر،‭ ‬وتُقدم‭ ‬وكأنها‭ ‬مشاريع‭ ‬وشيكة‭ ‬التنفيذ،‭ ‬ثم‭ ‬لا‭ ‬نلبث‭ ‬أن‭ ‬نكتشف‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تعدو‭ ‬كونها‭ ‬أفكارًا‭ ‬أولية‭ ‬لم‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬نطاق‭ ‬الورق‭ ‬أو‭ ‬التصريحات‭ ‬الإعلامية،‭ ‬فمن‭ ‬دون‭ ‬دراسات‭ ‬جدوى‭ ‬واضحة،‭ ‬ومن‭ ‬دون‭ ‬مستثمرين‭ ‬ملتزمين‭ ‬فعليًّا،‭ ‬تبقى‭ ‬هذه‭ ‬المبادرات‭ ‬في‭ ‬دائرة‭ ‬الأحلام‭.‬

شخصيًّا‭ ‬كتبت‭ ‬مقالين‭ ‬منفصلين‭ ‬عن‭ ‬بعض‭ ‬تلك‭ ‬النماذج،‭ ‬مثل‭ ‬“متحف‭ ‬أشجار‭ ‬القرم”،‭ ‬و”مشروع‭ ‬بوري‭ ‬الذكية”،‭ ‬ونلاحظ‭ ‬هنا‭ ‬نفس‭ ‬النمط‭: ‬إعلان،‭ ‬ثم‭ ‬صمت‭ ‬مطبق‭. ‬فهل‭ ‬المطلوب‭ ‬هو‭ ‬بث‭ ‬الآمال‭ ‬في‭ ‬نفوس‭ ‬الناس،‭ ‬أم‭ ‬تحقيق‭ ‬منجزات‭ ‬فعلية‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭ ‬لينعم‭ ‬بها‭ ‬المواطن‭ ‬في‭ ‬حياته‭ ‬اليومية‭ ‬وتكون‭ ‬إضافة‭ ‬لمشاريع‭ ‬التنمية‭ ‬التي‭ ‬ستدر‭ ‬على‭ ‬ميزانية‭ ‬الدولة‭ ‬وتساهم‭ ‬في‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬العجز‭ ‬المالي‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬مشاريع‭ ‬استثمارية‭ ‬غير‭ ‬نفطية‭.

من‭ ‬هنا،‭ ‬نقولها‭ ‬بوضوح،‭ ‬المشاريع‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬لا‭ ‬يجب‭ ‬الإعلان‭ ‬عنها‭ ‬إلا‭ ‬بعد‭ ‬توقيع‭ ‬العقود‭ ‬مع‭ ‬مستثمرين‭ ‬جادين‭. ‬غير‭ ‬ذلك،‭ ‬فهي‭ ‬لا‭ ‬تعدو‭ ‬كونها‭ ‬أفكارًا‭ ‬نظرية‭ ‬تستهلك‭ ‬الوقت‭ ‬والجهد‭ ‬دون‭ ‬فائدة‭ ‬تُذكر‭.‬

وكما‭ ‬يعلم‭ ‬الجميع‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المشاريع‭ ‬الكبرى‭ ‬–‭ ‬كمدن‭ ‬ترفيهية‭ ‬بحجم‭ ‬ديزني‭ ‬أو‭ ‬يونيفرسال‭ ‬–‭ ‬تتطلب‭ ‬استثمارات‭ ‬بمليارات‭ ‬الدولارات،‭ ‬وبنية‭ ‬تحتية‭ ‬متطورة،‭ ‬وخطة‭ ‬تشغيلية‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬موقع‭ ‬استراتيجي‭ ‬مدروس‭ ‬يضمن‭ ‬العائد‭ ‬السياحي‭ ‬والتجاري‭. ‬فهل‭ ‬نحن‭ ‬فعليًا‭ ‬نملك‭ ‬هذه‭ ‬العناصر؟‭ ‬وهل‭ ‬هناك‭ ‬شركة‭ ‬واحدة‭ ‬أبدت‭ ‬التزامًا‭ ‬حقيقيًّا‭ ‬بالدخول‭ ‬في‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المشاريع؟‭ ‬أفيدونا‭ ‬أفادكم‭ ‬الله‭.‬

إن‭ ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬المبادرات‭ ‬قبل‭ ‬التوقيع‭ ‬مع‭ ‬مستثمرين‭ ‬جادين‭ ‬يضر‭ ‬أكثر‭ ‬مما‭ ‬ينفع‭. ‬فهو‭ ‬يخلق‭ ‬انطباعات‭ ‬غير‭ ‬دقيقة‭ ‬لدى‭ ‬الرأي‭ ‬العام،‭ ‬ويرفع‭ ‬سقف‭ ‬التوقعات‭ ‬دون‭ ‬مبرر،‭ ‬بل‭ ‬وقد‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬فقدان‭ ‬الثقة‭ ‬مستقبلًا‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬إعلان‭ ‬مشابه‭.‬

ولا‭ ‬شك‭ ‬أن‭ ‬للحكومة‭ ‬أولوياتها،‭ ‬ولا‭ ‬يمكنها‭ ‬تمويل‭ ‬مشاريع‭ ‬مكلفة‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النوع،‭ ‬خصوصًا‭ ‬إذا‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬هناك‭ ‬جدوى‭ ‬اقتصادية‭ ‬واضحة‭. ‬أما‭ ‬المستثمر،‭ ‬فلن‭ ‬يخاطر‭ ‬بأمواله‭ ‬في‭ ‬مشاريع‭ ‬غير‭ ‬مدروسة‭. ‬وبالتالي،‭ ‬فإن‭ ‬هذه‭ ‬المقترحات‭ ‬رغم‭ ‬روعة‭ ‬فكرتها،‭ ‬إلا‭ ‬أنها‭ ‬ستبقى‭ ‬عاجزة‭ ‬عن‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬واقع‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تقم‭ ‬على‭ ‬أساس‭ ‬اقتصادي‭ ‬مدروس‭.‬

الخلاصة‭.. ‬نحن‭ ‬لا‭ ‬نطالب‭ ‬بالتخلي‭ ‬عن‭ ‬الطموح،‭ ‬بل‭ ‬ندعو‭ ‬إلى‭ ‬ترشيده،‭ ‬ولا‭ ‬نرفض‭ ‬الأحلام،‭ ‬بل‭ ‬نُصر‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬تُبنى‭ ‬على‭ ‬وقائع‭ ‬مدروسة‭ ‬لا‭ ‬على‭ ‬مجرد‭ ‬أفكار‭. ‬الإعلان‭ ‬عن‭ ‬فكرة‭ ‬ليس‭ ‬إنجازًا،‭ ‬فالإنجاز‭ ‬الحقيقي‭ ‬هو‭ ‬تحويل‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬ينبض‭ ‬بالحياة‭ ‬ويُحدث‭ ‬فرقًا‭ ‬حقيقيًّا‭ ‬في‭ ‬الاقتصاد‭ ‬والمجتمع‭. ‬والله‭ ‬من‭ ‬وراء‭ ‬القصد‭.‬

 

كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني