الأخضر ينتقم... الدولار الأميركي يقلب الطاولة على الجميع
| علي البستكي
في علمٍ لا يعرف الاستقرار، وتحديدًا أسواق المال العالمية التي تتقاذفها أمواج التضخم، والركود، والنمو، وحتى صراعات العملات... عاد الدولار بأداء قوي مقابل جميع العملات الأجنبية الأخرى.
انتفض “الأخضر” على كل من شكّك في هيمنته، بعد هبوط حاد منذ بداية العام بنسبة تجاوزت 10 %، ليقلب الطاولة على الجميع.
قبل عدّة أشهر، كانت كل التوقعات تسير في اتجاه واحد: نهاية زمن الدولار. وكان الحديث يدور حول نظام مالي جديد، مثل “البروكسي”، أو التحول الرقمي نحو العملات المشفّرة. بدا الوضع وكأن “الأخضر الأميركي” يترنّح، لكنّ عملة الدولار تثبت دائمًا أنها قادرة على الوقوف بقوة من جديد.
من هنا جاءت قرارات “الفيدرالي الأميركي” قاسية، صادمة، وحاسمة.
شهدنا ارتفاعات دراماتيكية، مدعومة بعدّة عوامل، أبرزها البيانات الاقتصادية القوية، وإيجابية النمو وسوق العمل في الولايات المتحدة، إلى جانب مرونة الاقتصاد الأميركي. كل ذلك يعزّز الثقة في الاقتصاد الأميركي.
أضف إلى ذلك سياسة الفيدرالي الحاسمة والحذرة في ما يتعلّق بالتضخم. ومن أهم أسرار جاذبية الدولار حاليًّا، أسعار الفائدة المرتفعة، خاصة بعد الاجتماع الأخير للفيدرالي وقراره بتثبيت أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية، ما يدفع المستثمرين إلى الإقبال على الاستثمار فيه للحصول على عائد مرتفع وآمن نسبيًّا. هذا بدوره يسحب السيولة من العملات الأخرى ذات العائد المنخفض، مثل الين الياباني، واليورو، والجنيه الإسترليني.
لماذا ينتقم الدولار تحديدًا الآن؟
الانتقام المالي ليس صدفة، بل هو نتيجة مزيج من العوامل:
القوة النسبية للاقتصاد الأميركي مقارنة ببقية الدول المنافسة.
السيطرة على أدوات التأثير العالمي، مثل النظام المصرفي وأسواق المال.
الاحتفاظ بثقة المستثمرين، إذ إنهم حين يخافون، يحتفظون بالدولار كملاذ آمن.
الوضع الحالي حساس للغاية. فالاقتصاد يظهر مرونة، لكن التضخم لا يزال بعيدًا بعض الشيء عن مستهدف الفيدرالي، مما يضع الأسواق المالية في مرحلة “صبر مؤلم”.
شهدنا في الاجتماع الأخير للفيدرالي انقسامًا بين الأعضاء في التصويت، وهي إشارة نادرة تُوحي باقتراب التحول. وهناك توقعات بأن أول خفض فعلي في أسعار الفائدة قد يبدأ في سبتمبر أو نوفمبر، بعد تلميحات من محافظ الفيدرالي الأميركي بأن الخفض يعتمد على البيانات الاقتصادية وتقييم مستويات التضخم، حيث أرسل جيروم باول إشارات واضحة بهذا الاتجاه.
هناك أسباب جوهرية للدعم الأخضر:
أكيد هذا التحول أو الصعود الواسع للدولار ليس صدفة. عودة شهية المخاطرة للأصول الأمريكية. أسعار فائدة على الدولار مرتفعة. انفراج في الحرب التجارية. اقتصاد أمريكي مرن وبيانات اقتصادية مشجعة آخرها بيانات الناتج الإجمالي المحلي فاقت التوقعات. هذا التحول المفاجئ للاقتصاد لفت النظر على شهية الدخول للدولار مرة أخرى. وصعد مؤشر الدولار بقوة مقتربًا من حاجز 100 نقطة.
الخاتمة:
رغم الانتفاضة الحالية، يبقي السؤال الأهم هل هذه ذروة القوة أم بداية عصر جديد للدولار؟
نعتقد الإجابة ليست في المؤشرات فقط، بل في قراءة المستقبل الاقتصادي، فالدولار قد ينتقم اليوم لكنة يعلم أن منافسيه أقوياء ودائمًا في ساحة العملات “الهدوء ليس إلا فصل من فصول المعركة“.
خلاصة المقال: التعليم وزياد الثقافة المالية جزء معم في عالم المال والأعمال.
* خبير مصرفي بحريني ومستشار اقتصادي