واشنطن ونيودلهي: من شهر العسل إلى حافة الاشتباك التجاري
| رضا أميري
لم يمض وقت طويل منذ أن كانت صور ترامب ومودي يدًا بيد تحت أضواء الكاميرات رمزًا لدفء العلاقات بين واشنطن ونيودلهي. لكن خلف هذه الصور البراقة، يتحرك الآن مشهد أكثر توترًا: خلافات تجارية حادة، صفقات نفط روسي تثير الجدل، وأسواق عالمية تترقب أي شرارة قد تشعل حربًا اقتصادية بين عملاقين. ما الذي تغيّر؟ ولماذا يهدد النفط والرسوم الجمركية بإعادة رسم خريطة التحالفات العالمية؟ تمر العلاقات الأميركية الهندية بمرحلة دقيقة قد تحدد ملامح التوازنات الاقتصادية والسياسية في العقد المقبل. فبعد سنوات من التقارب بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، تتصاعد اليوم مؤشرات التوتر نتيجة مسألتين شائكتين: تعثر التفاهم حول الرسوم الجمركية، وإصرار الهند على شراء النفط الروسي بأسعار تفضيلية رغم الضغوط الغربية. الهند، بثقلها كأحد أكبر المستهلكين للطاقة في العالم، تجد في الخام الروسي رئة اقتصادية تمدها بالوقود اللازم لإدامة نموها السريع، مستفيدة من الأسعار المخفضة التي فرضتها ظروف الحرب والعقوبات. لكن واشنطن ترى في هذه المشتريات تحديًا مباشرًا لجهودها في عزل موسكو اقتصاديًّا، وورقة ضغط قد تستخدم في ملفات أخرى أكثر حساسية. هذا التباين في الأولويات يعكس عمق الفجوة بين الطرفين، ويطرح سؤالًا حول مدى قدرة التحالف على الصمود أمام المصالح المتعارضة.
في ميدان التجارة، لا تبدو الصورة أكثر إشراقًا. فالمفاوضات التي طال أمدها لإبرام اتفاق يخفف الرسوم الجمركية تواجه عقبات حقيقية. الولايات المتحدة تريد فتح الأسواق الهندية بشكل أوسع أمام منتجاتها وخدماتها، بينما تتمسك نيودلهي بسياسات حمائية لحماية صناعاتها المحلية الناشئة. أي فشل في هذه المباحثات قد يفتح الباب أمام حرب رسوم متبادلة، ما يهدّد بإرباك سلاسل التوريد العالمية ويؤثر على تدفق السلع بين اثنتين من أكبر الاقتصادات في العالم. الأمر لا يقتصر على التجارة والطاقة فقط، فأسواق المال العالمية تراقب المشهد عن كثب. أي تصعيد بين البلدين يمكن أن يرسل موجات صدمة إلى وول ستريت والبورصة الهندية، وهما من بين أكبر أسواق الأسهم من حيث القيمة والتأثير. المستثمرون عادة ما يهربون من المخاطر الجيوسياسية، مما قد يؤدي إلى تراجع الثقة وضخ مزيد من التقلبات في الأسواق. ورغم هذه الصورة القاتمة، فإن المصالح الاستراتيجية المشتركة تمنح الطرفين سببًا قويًّا لاحتواء الخلافات. الولايات المتحدة تدرك أن الهند تمثل ثقلًا لا يمكن الاستغناء عنه في مواجهة النفوذ الصيني في آسيا، فيما تدرك نيودلهي أن الشراكة مع واشنطن تمنحها قوة تفاوضية ودعمًا تكنولوجيًّا واستثماريًّا يصعب تعويضه.
لكن المسار القادم لن يكون سهلًا. المطلوب هو مقاربة واقعية تقوم على براغماتية سياسية، تسمح للهند بمواصلة تأمين احتياجاتها من الطاقة دون تجاوز الخطوط الحمراء الأميركية، وفي الوقت نفسه تمنح واشنطن ضمانات حقيقية حول التزام نيودلهي بالتوازن في مواقفها الدولية. الفشل في إيجاد هذا التوازن لن يضر فقط بالبلدين، بل سيعيد رسم خريطة التحالفات الاقتصادية ويفتح المجال أمام قوى أخرى لتملأ الفراغ. العالم يقف اليوم أمام اختبار جديد لقدرة قوتين اقتصاديتين بحجم الولايات المتحدة والهند على إدارة الخلافات دون نسف الجسور التي بُنيت خلال عقد كامل. وفي زمن تتشابك فيه المصالح وتتعاظم فيه المخاطر، قد يكون الحفاظ على هذه الجسور أهم من أي مكاسب آنية في ملف الرسوم أو النفط.