“مقابر خمس نجوم”!

| زهير توفيقي

 لا تنقضي عجائب هذا العصر، فقد بلغنا من الابتذال والتسليع ما لم يخطر على قلب بشر، حتى بلغ الأمر بمن يعتبر نفسه تاجرًا للموتى أن يسوّق قبرًا كما تُسوّق غرفة فندقية، ويعرض على زبائنه “مقبرة خمس نجوم” وكأنّه يبيع إقامة في منتجع سياحي فاخر، لا مثوى أخيرًا لإنسان فارق الحياة! في فيديو أثار موجة من الغضب والاستنكار، ظهر شخص عربي وهو يصور مقبرة فاخرة قيد الإنشاء، ويعلّق بصوته قائلًا للميت، لا للأحياء: “هتكون نايم في مكان لايق وجميل، وما ليش غير الدفع وهتدخل مقبرة خمس نجوم!”، في مشهد جمع بين الابتذال والتجارة بقيم الموت، والانحطاط الأخلاقي في آنٍ معًا. فهل بلغ بنا الانحدار إلى هذا الحد؟ وهل أصبح الموت مجالًا لتفاخر طبقي وثراء فجّ؟ وهل باتت القبور تُعرض كسلعة بخدمات فندقية، والميت يُخاطَب بلغة السوق والعروض؟! إن ما فعله هذا الشخص ليس مجرد تسويق سخيف، بل إهانة للدين، وامتهان لحرمة الموتى، وتعد سافر على أصول العقيدة الإسلامية التي تساوي بين الناس جميعًا عند الموت، وتوصي بالستر والبساطة والتواضع في تجهيز الميت ودفنه. من المؤسف أن تمرّ مثل هذه السلوكيات الخاطئة دون أدنى محاسبة، وأن يتعامل البعض مع مشهد الموت – وهو موضع العظة والخشوع – وكأنه فرصة للدعاية الرخيصة و”الترند”. فإن كانت القبور قديمة أو جديدة، واسعة أو ضيقة، فإن من يُكرَم أو يُهان فيها هو الإنسان بعمله والأثر الذي يتركه، لا بالبلاط والرخام والمقاعد الوثيرة.  لابد من اتخاذ إجراء تأديبي بحق هذا الشخص أو غيره، لا من باب كتم حرية التعبير، بل من منطلق الدفاع عن القيم الدينية، وصون هيبة الموت من الابتذال والاستغلال. إننا بحاجة ماسّة إلى وقفة مجتمعية جادّة، نعيد فيها الاعتبار للمعاني الكبرى في حياتنا: معنى الموت، ومعنى التواضع، ومعنى الكرامة، ومعنى القيم التي لا تُشترى ولا تُباع. فالموت ليس “خدمة بخمس نجوم”، بل نهاية حتمية نلقى فيها وجه الله، مجردين من كل مظاهر الدنيا، إلا من عملٍ صالح نلقاه.

كاتب وإعلامي بحريني