يا أنا.. يا هوا!
| أسامة مهران
لم يكن أمامي مفر من أن أنصت للأستاذ، أن أجرب لعل وعسى، فقد أرسل إليّ قطعة طبق الأصل مما يريد أن يكتبه للعامة احتفاءً بمناسبة سعيدة، فتحت “الواتساب” فوجدت نفسي أمام كلمة مكتوبة بعناية عن الحدث ذاته، عن الشخصيات التي ستشارك، وعن المشاعر الفياضة التي يحاول الصديق التعبير عنها أمام جمهور المتابعين، وجدت رصانة في اللغة، واتزانًا في التعابير، وبلاغة في التشبيهات. عدت إلى الأستاذ مندهشًا، منبهرًا مما قرأت، سألته عن كاتب هذه القطعة المعبرة عن ذلك الحدث الذي لم يحدث، قال بفخر وثقة وانتصار: إنها تقنية الـ “شات جي بي تي”، بادلته الفخر والدهشة متصنعًا: وماذا تحتاج مني إذا؟ أجاب من دون تردد: طبعًا أحتاج أن تقرأ جيدًا ما أرسلته وتحاول أن تضيف عليه من عندك، بما تعرفه من معلومات وبما لديك من خبرات لتخرج لنا بقطعة أكثر إبداعًا وجمالاً. الشهادة لله أنني في بداية الأمر اعتقدت أن الأستاذ المتخصص في شتى العلوم والمعارف يمزح، وأنه يحاول أن يستفز مهاراتي ويستنفر خبراتي من أجل أن نخرج بعمل متكامل يفي بالغرض، اعتقدت أنها مزحة ثقيلة لأن الصديق رغم علمه الغزير لم يكن يدرك أن عِلم الكتابة هو ذاتي مستقل شديد الأنانية نابع من أعماق صاحبه، لا يقبل شريكًا ولا رفيقًا ولا معينًا، وأن الاستعانة بتقنية الـ “شات”، لا سمح الله، لا يجب أن تتجاوز مجرد الاطلاع على معلومات وتذكر أحداث وأرقام وبيانات ليس إلا.
أما والوضع أصبح هكذا “جد في جد” وأن المطلوب مني كان تكليفًا لا تشريفًا، فإنه كان لزامًا عليّ أن أعود لأول السطر، وأن أبدأ من جديد، وأن أسمح للـ “شات” بأن ينتحل جزءًا من شخصيتي، وأنا أنتحل جزءًا من شخصيته على طريقة “زيتنا في دقيقنا” و”كله ماشي” طالما سيفي بالغرض. لا أخفي عليكم سرًّا أنني وبكل أمانة حاولت أن أتجرد من ذاتيتي، وأن أضحي بمفاهيمي عن الكتابة وعلومها، عن الإبداع في الأداء والإمتاع في الإنجاز، حاولت أن أضع الـ “شات” مكاني في بعض الجمل المفيدة، ثم أضع نفسي مكان الـ “شات” في مواضع أخرى ارتأيت أنه أجاد فيها، بعد أن انتهيت من طبخ تلك التوليفة العجيبة وتلك الخلطة التي يتصور الأستاذ أنها سحرية، فإذا بي أجد نفسي أمام مخلوق مشوه لا يمت لعِلم الكتابة بأية صلة، مخلوق يتنفس الصعداء في جانب والمخلوق ذاته ينعم بحرية الحركة في جانب آخر، مخلوق يشعر بقداسة الكلمة ونزاهة الطرح وحيادية التناول وآخر يمضي في عكس الاتجاه تمامًا، مخلوق ينطق بالروح ويعبر عن الجرح ويسطر أحرفاً من نور، ونفس المخلوق يتطاول بحرفية ومهنية وبلا اكتراث على كل هذه القيم. كررت المحاولة في التوفيق والتلفيق بين الذات البشرية والروح الرقمية، فإذا بي أصل للنتيجة السابقة، فكرت بأن أغلب مخلوقًا على الآخر أو أجعل أحدهما منتصرًا أو متفوقًا على زميله، لكنني فشلت، فكل منهما متشبث بمكانه، مسيطر بإحكام على مواقعه، ومتحصن بما فيه الكفاية من أي عدوان متوقع، هنا أدركت أن عِلم الكتابة الذي نشأ شخصيًّا وذاتيًّا ويعتمد على ملكات شديدة الخصوصية وثقافات أشد في التتبع والتراكم والتراتبية، لا يمكن له أن يختلط مع التقنية الرقمية، ولا الإحداثيات التكنولوجية، فأما الذات الإنسانية، وأما الذات الرقمية، حيث الزيت والماء لا يختلطان، وأما “يا أنا يا هو سيدي”.
كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية