خربشة ومغزى | "الماسونية.. جُذور وفلسفة وغُموض بواطِن"
| احمد عبدالله الحسين
الماسونية جُذور وفلسفة وغُموض بواطِن، وهذا عنوان عريض يتعدى تفصيله مقال. والماسونية تنظيم وكيان له حضور وأثر في دهاليز الساسة والنُخب، ولها بِنيويَّة أفكار وأسرار تمرحلت عبر الزمن ضمن خفاء وعَلَن، وهيكل ودستور، واِنتشار مرسوم، طال دُوَل ومدن.
تُعرَّف الماسونية أنها أسم مشتق من لفظ ماسون Mason الذي يعني باللغة الإنكليزية البنّاء والمِعمار، وأحيانا يردف مع البنّاء كلمة "فري Free " أي حُرّ، فيكون المسمى البنّاء الحُرّ. ولهذا تسمت نقابات الماسونيين بالبنّائين الأحرّار. أما أصل لفظ الماسونيين عند بعض الباحثين فهو يرجع إلى مجموعة بنوا هيكل سليمان عام 1012ق.م، وهذا فيه خَيِط صِلة بمِقدَّس يهودي ضمن مرويات لا تخلوا من جدل في التأصيل والإثبات. وهيكل سليمان عند الماسونيين بناء أوردت التوراة تفصيله، وبهذا هم يستلهمون فلسفة هذا البناء. وهنالك آخرون يذكروا أن مسمى الماسونية حدث في بريطانيا القرن الثاني عشر ميلادي خلال زمن كثر فيه تَشْيِيد كنائس وأديرة بلغ عددها قرابة 500 خلال عشرين عاما.
يُذكر أن مجموعة البنّائين آنذاك حينما تشكلت نقاباتهم، اقتصرت العضوية فيها على مسيحيين، ولكن هذا تغير في عام 1717م، حيث ضم محفل لندن الكبير فئات أخرى من المجتمع، وهذا التحول شمل أيضا قبول أداء قسم الإخلاص وحفظ الأسرار على أي كتاب مقدَّس يختاره الأعضاء.
الماسونية الحديثة احتفظت بشعارها القديم، وفيه أدوات بناء مثل شاقول وقدَّوم، وهو موروث رمزي فيه إجلال وتقدَّيس أول بناء عظيم لدار عبادة الله الهيكل في نظرهم، وأطلقوا عليه مهندس الكون الأعظم، وجنوده هم فرسان الهيكل، وهو تشكيل عسكري سُخِّر للدفاع عن المسيح ومعبد الهيكل، اِشتركوا في الحملات الصليبية في غزوا ديار المسلمين.
ومن لندن حيث منشأ الماسونية، اِنتشر منها محافل إلى فرنسا وأمريكا وباقي أوربا، وبعدها دول العالم خلال فترات الاستعمار على البلدان. هذا الانتشار يعلَّله الباحثين حين بروز جدليات واختلاف بين العقائد والانتماءات الدينية، الذي أحدث فرصة للمحافل أن تستقطب منتسبين لها من مِلَل ومذاهب مختلفة لأن فلسفة الماسونية تذكر أن الأديان متفقة على وجود الله وخلود الروح، وأن الاعضاء تربطهم مبادئ الحرية والإخاء والمساواة. هذه المفاهيم كرّسها دستور يُعتبر الأول، وقد وضعه جيمس أندرسن كاهن اسكوتلندي وذلك في عام 1723م حيث قال؛ "أن الماسونية القديمة تلزم أعضاءها على اِعتناق دين البلد الذي تعمل فيه. أما الآن فقد رُؤي حظهم على اِعتناق ذلك الذي يتفق عليه جميع الناس تاركين آراءهم الخاصة جانبا، أعني أن يكون المرء فاضلا صادقا ذا عِفَّة وشرف، ولهذا صارت الماسونية مهدا للاتحاد وسبيلا لبث الصداقة بين الشعوب". ذكر ذلك محمد عبدالله عنان في كتابة تاريخ الجمعيات السرية.
ومن نتاج هذا الإدراك خرج رأي سائد عند أتباع الماسونية أنه؛ إذا تقوَّت الماسونية يضعف التحزَّب وتقوَّت الآداب. أورد ذلك كتاب الآداب الماسونية شاهين مكاريوس.
المدرسة الكاثوليكية اِعتبرت دعوة الماسونية نَبْذ المسيحية. وهذا الموقف بذر شبهات تلاحق دعوة الماسونية وما فيها من أسرار. ثم تطور الأمر في بيان بابا الفاتيكان كلمنت الثاني عشر عام 1738م بعد مضي واحد وعشرين سنه من تأسيس الماسونية الحديثة، وفيه أعلن تحريم الماسونية، وأعتبر كلّ من ينتمي إليها مرتدا عن دينه، وَرَد هذا في كتاب لويس شيخو السر المصون في شيعة الفرمسون. وبهذا البيان طاردت إسبانيا والبرتغال أعضاء الماسون، وبدأ عداء أستمر بين الطرفين.
الحديث عن مبنى المحفل الماسوني في لندن والذي يُعتبر الأعْرَق، يوجد فيه عشرات غرف وقاعات لأغراض الاجتماعات، وكذلك متحف يحتوي بعض وثائق وقطع أثرية وأدوات زمنها يزيد عن ثلاثة قرون، وهناك قاعة خاصة تضم صور ورسائل تتعلق بشخصيات ماسونية عالمية، منهم أدباء، وموسيقيين، وملوك، ورؤساء.
أما مراتب الأعضاء في النظام الداخلي الماسوني فهي ثلاث طبقات على 33 درجة تتسلسل، فيهم؛ المبتدئ والزميل والأستاذ شبيهة بمراتب البنَّائين، وتسميات الدرجات الباقية تتبع موروث البلدان، وكذلك هنالك صنفين من الماسونيين منهم محافظ يدعوا إلى طاعة نظام البلاد التي هم فيها، وآخرون لا يجارون تسلط ديني واِستبداد سياسي.
الجدير بالذكر أن علاقة الماسونية وبريطانيا لها خصوص رابطة، ولم تلق أي تعثر كما حصل في أوربا وبقية البلدان، حتى في ظل تشديد الحكومة البريطانية على الجمعيات السرية كمثل ما حصل عام 1798م حين أصدر البرلمان البريطاني قراره بمنع الجمعيات السرية استثنى محافل الماسونية. ومما يذكر أن خمسة من ملوك بريطانيا جورج الرابع ووليم الرابع وإدوارد السابع وإدوارد الثامن وجورج الخامس كانوا فيها. وبهذا أفادت بريطانيا الماسونية واستفادت منها، بل كانت وسيلة للتمدد في البلدان عبر أعضاءها ومناصريها.
وإلى مقال تالي عن الماسونية تابع..