البدايات الأولى لتأسيس القضاء وبناء المحاكم في البحرين

| د. منصور محمد سرحان

شهد عهد صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة، حاكم البحرين في الفترة من عام 1869م وحتى عام 1932م البدايات الأولى لتأسيس القضاء والمحاكم في مملكة البحرين من أجل ضمان سير العدالة وحل مشاكل المواطنين وبصورة خاصة ما يتعلق بأمورهم الاجتماعية. فقد نصب الشيخ قاسم المهزع قاضيًا في عام 1878م، كما نصب الشيخ أحمد بن الشيخ سلمان الشاخوري قاضيًا يقضي على المذهب الجعفري وذلك في عام 1870م وهو مدقق في الأحكام الشرعية. وفي خطوة مهمة أمر صاحب العظمة الشيخ عيسى بن علي آل خليفة بتأسيس محكمة لدعاوي الغوص وحساباتها في عام 1894م، وتعد أول محكمة تنشأ في مملكة البحرين. وكانت هذه المحكمة التي يطلق عليها محكمة سالفة الغوص ضرورية لفض النزاعات والخلافات باعتبار البحرين تعتمد اعتمادا كليًا آنذاك وبشكل رئيسي في اقتصادها على الغوص لصيد اللؤلؤ. فقد ذكر صموئيل زويمر أن عدد سفن الغوص في عام 1896م زهاء 900 سفينة. وذكر تشارلز بليجريف عدد سفن الغوص في السنوات الواقعة بين 1926م و1931م حوالي 500 سفينة سنويًا، ويعمل على ظهرها 20 ألف رجل. يعلن عن تشكيل محكمة سالفة الغوص من قبل حاكم البحرين، وتتكون من شخص أو أكثر من التجار والنواخذة الذين يتمتعون بسمعة طيبة وبخبرة في عرف الغوص لتتشكل المحكمة منهم بوصفهم قضاة. وبهذا تكون هذه المحكمة هي التي تحكم في جميع الخلافات بين فئات الغواصين وأرباب السفن والممولين. وكان تشكيل تلك المحكمة لفتة مهمة من لدن عظمة الحاكم لأنصاف الغواصين وعدم استغلالهم أو الإضرار بحقوقهم. تأسست أول محكمة لحكومة البحرين في عام 1344هـ، وتمتد هذه السنة الهجرية مقابلة بالتقويم الميلادي بين سنتي 1925م و1926م، وتكونت في بدايتها من مستشار حكومة البحرين وأحد أفراد العائلة الحاكمة الشيخ محمد بن راشد آل خليفة الذي اعتزل بعد مضي عام واحد، وحل محله الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة ابن حاكم البحرين، حيث أمضى في المحكمة ثمانية أعوام، واعتزل بعد ذلك فعين أخوه الشيخ عبدالله بن حمد آل خليفة والشيخ راشد بن محمد آل خليفة أحد كبار أفراد العائلة الحاكمة، وكانا يتمتعان بخبرة عدة سنوات في محاكم أخرى. وعين في عام 1938م قاضيًا ثالثًا هو الشيخ علي بن أحمد. كانت البحرين بحاجة ماسة لمحكمة استئناف وكان الخصوم يتواصلون بالحاكم بغرض إقناعه ليتم تجاوز أحكام المحاكم وقد أدى ذلك شغل الحاكم صاحب العظمة الشيخ حمد بن عيسى بن علي آل خليفة، فعين في مارس عام 1938م أخاه الشيخ عبدالله بن عيسى آل خليفة وابنه الأكبر الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة والمستشار قضاة استئناف يقومون بالنظر في القضايا المستأنفة من المحكمتين الصغرى والكبرى. واستمر صاحب العظمة الشيخ سلمان بن حمد آل خليفة عضوًا بمحكمة الاستئناف حتى عام 1942م حيث تولى مقاليد الحكم. عرف عن صاحب العظمة الشيخ حمد بن عيسى بن علي آل خليفة اهتمامه الخاص ببناء المحاكم، وجعل بناء المحاكم من بين أولوياته. ففي 18 نوفمبر من عام 1937م افتتح عظمته أول مبنى حديث للمحاكم في مدينة المنامة. بنيت المحاكم على أرض واسعة كانت في السابق جزءًا من البحر من الناحية الشمالية، وبلغت كلفة الدفن 17 ألف روبية، وتكلف بناء مبنى المحاكم بأقسامه المختلفة 64 ألف روبية، وكان هذا يعد من المبالغ الكبيرة آنذاك. وقد صمم مبنى المحاكم المهندس خان صاحب محمد خليل الذي قدم إلى البحرين من الهند في عام 1924م من أجل المساهمة في تأسيس الطابو في البحرين. ضم المبنى مختلف المحاكم التخصصية التي كانت تطبق الأحكام الشريعة الإسلامية وانشئت في تلك المحاكم مجالس تختص بقضايا الغوص والمنازعات التي تتعلق به والتي كانت موجودة قبل افتتاح هذا المبنى بزهاء 43 سنة تمثلت في محكمة دعاوي الغوص وحساباته التي تأسست في عهد والده عام 1894م. 

 

‭* ‬باحث‭ ‬ومؤرخ‭ ‬بحريني