أهمية نموذج ماكينزي في تعزيز أداء المؤسسات الصغيرة والمتوسطة

| د. نجيب الغربال

يُعدُّ نموذج ماكينزي (McKinsey 7-S Model) إطاراً عملياً يُستخدم لفهم وإدارة التغيير التنظيمي من خلال تحليل العلاقة بين سبعة عناصر أساسية داخل المؤسسة، حيث يهدف هذا النموذج إلى تحقيق التناسق والفعالية بين هذه العناصر لضمان تحسين الأداء التنظيمي، ويرتكز نموذج ماكينزي على هذه العناصر سيتم شرحها تباعاً في سيلق هذا المقال.

يركز النموذج على الموارد البشرية كعامل جوهري وأساسي لتحقيق التفوق التنظيمي، بخلاف الاعتماد على النظام التقليدي على رأس المال والمعدات والبنية التحتية، وهو يُظهر كيف يمكن لتكامل هذه العناصر تحقيق التميز من خلال مواءمتها بشكل استراتيجي، إذ تُعدُّ كل من هذه العناصر مترابطة ببعضها البعض، وأي تغيير في أحدها يتطلب تعديلاً في بقية المكونات لتحقيق الانسجام التنظيمي، في نفس الوقت هناك سمات لنموذج ماكينزي، حيث إن هذه العناصر تنقسم إلى عناصر صلبة (ملموسة tangible) وناعمة (غير ملموسةintangible ) استناداً إلى طبيعتها وقابليتها للقياس.

الفئة الأولى تسمى بالعناصر الملموسة وهي: الاستراتيجية Strategy والهيكل Structure والأنظمة Systems وهي أسهل في التحديد والتأثير المباشر، أما الفئة الثانية تسمى بالعناصر غير ملموسة فهي أصعب في القياس أو التغيير وهي، القيم المشتركة Shared Values والمهارات Skills وأسلوب الإدارة Style وفريق العمل Staff.

شرح مختصر لمكونات نموذج ماكينزي السبعة (McKinsey 7-S Model)

الفئة الأولى:

الاستراتيجية Strategy: تمثل الاستراتيجية بأنها النهج الذي تعتمده المؤسسة لتحقيق أهدافها بعيدة المدى وضمان التفوق التنافسي، حيث تعتمد الاستراتيجية على رؤية واضحة ورسالة قوية وقيم راسخة لتحقيق النجاح، كما يجب أن تكون الاستراتيجية متناغمة مع العناصر الأخرى، بحيث تُسهم في تعزيز النتائج المؤسسية على المدى الطويل.

الهيكل Structure: يشير الهيكل إلى النظام التنظيمي والتسلسل القيادي الذي يحدد خطوط السلطة والمسؤولية داخل المؤسسة ويضمن وجود هيكل تنظيمي مناسب لكفاءة العمليات اليومية وتقليل احتمالات الفوضى، في نفس الوقت فإن من دون هيكل تنظيمي واضح يصبح من الصعب تنفيذ الأنشطة التشغيلية بكفاءة وبفعالية.

الأنظمة Systems: تُعنى الأنظمة الخاصة بالعمليات والإجراءات المستخدمة لتنفيذ الأنشطة اليومية للمؤسسة وتشمل هذه الأنظمة سير العمل، وإجراءات الإنتاج، وآليات توزيع السلع والخدمات، حيث تُحدد الأنظمة كيفية إدارة العمليات وضمان تحقيق الكفاءة التشغيلية.

الفئة الثانية:

القيم المشتركة Shared Values: تُشكِّل القيم المشتركة جوهر نموذج ماكينزي، حيث تُعبر عن المبادئ والسلوكيات التي يتوقع من جميع الموظفين الالتزام بها، وتُعد هذه القيم هي الرابط الذي يوحّد المؤسسة، وأيضاً هي الأساس الذي تتمحور حوله باقي العناصر لضمان تحقيق الأهداف التنظيمية.

المهارات Skills: تُشير المهارات إلى كفاءات وخبرات الموظفين التي تعتمد عليها المؤسسة لتحقيق أهدافها، حيث يمكن تعزيز هذه المهارات من خلال تطوير قدرات الموظفين الحاليين أو استقطاب كفاءات ومواهب جديدة.

أسلوب الإدارة Style: وهو يعكس أسلوب الإدارة الثقافة القيادية السائدة داخل المؤسسة، بما يشمل السياسات والقواعد غير الرسمية، ويلعب أسلوب القيادة الفعّال دوراً محورياً في تعزيز الإنتاجية وتحقيق رضا الموظفين.

فريق العمل Staff: كما هو واضح فهو يتعلق بعنصر الموظفين أو الموارد البشرية وكيفية توظيفهم وتدريبهم، وتحفيزهم، كما ويشمل عوامل أخرى، مثل حجم القوى العاملة، وتنوعها، وسياسات المكافآت والمزايا التي تحفز الأداء وتعزز الولاء المؤسسي.

ولتقريب الصورة بشكلٍ أفضل سوف نطبق هذا النموذج على شركتين عالميتين رائدتين وهما تويوتا وفورد:

أولاً: شركة تويوتا (Toyota)

الاستراتيجية: التركيز على الإنتاج الفعّال باستخدام نظام التصنيع الرشيق (Lean Manufacturing) وتقليل الهدر، واستثمار مستمر في التكنولوجيا الهجينة والمركبات الصديقة للبيئة.

الهيكل: هيكل تنظيمي لامركزي يعزز اتخاذ القرارات على المستوى المحلي، مع الحفاظ على التكامل العالمي.

الأنظمة: تُطبيق نظام "تويوتا الإنتاجي" (Toyota Production System - TPS) الذي يقوم على تحسين العمليات باستمرار وضمان أعلى مستويات الجودة.

القيم المشتركة: احترام الأفراد، والعمل الجماعي، والسعي للتحسين المستمر ما يطلق عليه مصطلح "كايزن" (Kaizen). و"كايزن" هو مصطلحاً يابانياً، يركز على مفهوم السعي الدائم لتحسين الإنتاجية والكفاءة والجودة في جميع جوانب العمل، كما أنه يتميز بتطبيق التغييرات الصغيرة والتدريجية بدلاً من التحولات الكبيرة والجذرية للشركة، مما يضمن تحقيق تحسينات مستدامة بمرور الوقت، كما يقوم الجميع بالمساهمة في عملية تطوير العمليات وتحقيق النجاح المشترك من جميع المستويات سواء كانت من الإدارة العليا أو الإدارة الدنيا.

المهارات: فريق عمل ماهرة في التصنيع الدقيق وتطبيق مبادئ تحسين العمليات وكفاءات عالية في مجال البحث والتطوير للسيارات الموفرة للطاقة.

فريق العمل: تدريب شامل للموظفين على مبادئ الإنتاج والجودة وتعزيز ثقافة الشمولية والعمل الجماعي بين فرق العمل.

أسلوب الإدارة: قيادة تُركّز على الابتكار والتطوير المستدام، مع تعزيز مبدأ تحسين العمليات اليومية.

ثانياً: شركة فورد (Ford)

الاستراتيجية: التركيز على تصميم سيارات كهربائية ومركبات رياضية متعددة الاستخدامات (SUVs) Sports Utility Vehicles لتلبية الطلب العالمي وتحسين سلسلة التوريد لتحقيق الكفاءة والاستدامة.

الهيكل: هيكل تنظيمي مركزي بشكل أكبر، ولكنه يتجه نحو اللّامركزية مع وحدات عمل متخصصة لكل سوق جغرافي.

الأنظمة: تطوير أنظمة تقنية متقدمة لتحسين عمليات الإنتاج، مع التركيز على "الرقمنة" وسلسلة التوريد الذكية.

القيم المشتركة: الالتزام بموضوع الابتكار، والجودة، وخدمة العملاء واهتمام بشكلٍ عام على المرتكزات الثلاثة الأساسية للتنمية المستدامة (البيئية والاقتصاد والمجتمع) وأهدافها السبعة عشر (17)، والتركيز على المسؤولية الاجتماعية والاستدامة البيئية بشكلٍ خاص.

المهارات: الاستفادة من فريق عمل يتمتع بخبرات واسعة في التصميم الهندسي وإدارة العمليات وقدرات متقدمة في تطوير تقنيات السيارات الكهربائية والتكنولوجيا المصاحبة لها، مثل القيادة الذاتية من خلال استخدام الذكاء الاصطناعي في سيارتها.

فريق العمل: جذب أفضل المواهب في مجال التكنولوجيا والهندسة وتعزيز برامج التدريب لتطوير قدرات الموظفين، خاصةً في مجالات التكنولوجيا الحديثة.

أسلوب الإدارة: قيادة ديناميكية تُركز على التحول الرقمي والابتكار، مع إعادة بناء العلامة التجارية لتلبية تطلعات العملاء.

الاستنتاج: كِلتا الشركتين، تويوتا وفورد، تستخدمان استراتيجيات مختلفة لتحقيق التميز في سوق السيارات، لكنهما تستفيدان من نموذج ماكينزي لتحديد التكامل بين عناصرهما التنظيمية السبعة، حيث إن تويوتا تركز على التصنيع الرشيق والجودة المستمرة، ما يجعلها نموذجاً للاستدامة والابتكار في الكفاءة التشغيلية، أما فورد تستثمر في التقنيات المستقبلية والسيارات الكهربائية، مع قيادة التحول نحو "الرقمنة" والتكيف مع الأسواق العالمية المتغيرة.

الخلاصة: يوفر نموذج ماكينزي (McKinsey 7-S Model) أداةً شاملة لتحليل المؤسسات، حيث يُبرز أهمية العلاقة التكاملية بين العناصر السبعة المذكورة أعلاه يمكن للمؤسسات تحقيق التحسين المستمر وتجاوز تحديات التغيير التنظيمي، ما يؤدي إلى تعزيز أدائها وفعاليتها في السوق المستهدف.

وفي الختام، أشجّع أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة على اعتماد نموذج ماكينزي بجدّية، إذ يوفر هذا الإطار المتكامل أدوات فعّالة لتحسين الأداء المؤسسي. وفي حال تطبيقك لهذا النموذج ستتمكن مؤسستك من تحقيق التوازن الضروري بين عناصرها الأساسية، مما يعزز قدرتها على النجاح والاستمرارية في بيئة تتسم بالتغير والتنافس المستمرين.

*أكاديمي بحريني