عَسْطُوس والدِي!

| د. جاسم المحاري

بلغ من العمر عتيًا، فجار الدّهر عليه وأصابه المرض بعدما قارب السبعين ونيفًا، فلم يعد قادرًا على القيام بواجباته تجاه نفسه، فيما ابنه الأكبر يبقى معظم وقته متشاغلًا في روتين عمله اليومي، وزوجته التي تتأفف وتتذمر، محاولة إقناع زوجها ببقاء أبيه تحت رعايته أسبوعًا، وأسبوعًا عند أخيه الأصغر، إلا أنّ الاتفاق (الباغي) باء بفشل، ولم يصمد طويلًا بعدما ضاقت الزوجتان ذرعًا من تحمل المسؤولية، حتى بدأ مكرهما الذي أوصل الرجل الكبير في نهاية المطاف إلى دار المسنين، وتُرك شهرًا كاملًا دون زيارة أو صلة رحم من فلذتي كبده الأكبر والأصغر؛ فكانت نهايتهما أنْ عاشا ما تبقى من حياتهما في شتات بعدما غضب عليهما بـ (كسرة) قلبه التي ذهبت تربيته لهما أدراج الرياح! أفردت الحكمة الرّبانية للوالدين واجبًا عظيمًا، بأن وهبهم أعظم الأهداف وأثقل الواجبات، ألا وهي مسؤولية تربية الأبناء وتعليمهم، كما أودع فيهم أمانةً رعايتهما والعناية بهما بما يمثلانه من القدوة الأولى والمثل الأعلى في بناء شخصيتهم المتكاملة وغرس القيم النبيلة والأخلاق الحميدة باعتبارها عبادة فاضلة لا واجبًا اجتماعيًّا يتخطى - توفير الاحتياجات المادية - إلى بناء أجيال تُسهم في بناء الأمة وتقدمها بالتوجيه الصحيح، وإبراز القدوة في السلوك والخلق، وإظهار الاستماع الجيد في اتخاذ القرارات السليمة وسط أجواء تشيع بوعي ومعرفة تعزّز مراكز اللغة والتعبير في الدماغ البشري، فضلًا عن تفاعل وتواصل يُقوي مهارات التخاطب والتزاور في المجتمع الواحد، والذي يؤسس بدوره البيئة الفائضة بالتفاهم والإيجابية وصولًا لتعزيز الاستقلالية وتحمّل المسؤولية في فضاء حرية استكشاف المحيط وضمان الصحة النفسية والعاطفية والاجتماعية. 

نافلة: بات من المُستوجبات تطبيق مُرتكزات التربية السليمة – التي لا تقتصر على توفير احتياجات الأكل والشرب واللبس والسكن وغيرها – في تعزيزها الثقة بين الأبناء وجعلهم أكثر قدرة على تطوير سلوكيات احترام الذات وتعلّم الاستقلالية واتخاذ القرارات وتشكيل القدوات وبناء سلاسل التفاعل وقتما يولدون على الفطرة ويتعرضون لتأثير محيطهم الأسري في كسب مختلف المهارات العاطفية والمعرفية والاجتماعية التي تسهم في تشكيل شخصياتهم ولعب الأدوار الحاسمة وتحديد مسارات الحياة والمستقبل، في بيئة محفزة وشخصية مستقلة وقتئذٍ عسطوسة (أي خيزرانة) آبائنا التي كانت تلوح أمام ناظرينا؛ توجيهًا للصائب وتقريعًا للخاطئ على سبيل استثمار المسؤولية الملتزمة وبناء العلاقات الصحية وزراعة الانضباط المقتدر. أَدِمْ يا ربّ العالمين بعزتك وجلالك آباءنا وأمهاتنا الباقين، وارحم الماضين بمغفرتك ورضوانك.

كاتب وأكاديمي بحريني