المرأة المصرية تحت المجهر
| نعمات مدحت
لم يرق لي أن اعزل أوضاع المرأة المصرية عن محيطها العربي ، عن مسئولياتها العائلية ، والوطنية ، والقومية ، كونها لعبت أدوارًا تاريخية في النضال ضد الاستعمار ، وفي قضايا التحرر والتعليم والخروج إلى أسواق العمل ، لكن ما باليد حيلة ، ففي الوقت الذي تبذل فيه عدة دول عربية جهودًا مضنية ومحاولات فارقة من أجل تمكين المرأة وادخالها ضمن مشاريع الاصلاح السياسي ، والثورات الرقمية ، والنقلات النوعية في مملكة البحرين والمملكة العربية السعودية وفي دولة الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر وسلطنة عمان وغيرها ، ظهرت أصواتًا نشاز تحاول ارجاع المرأة المصرية عقودًا بعيدة إلى الوراء وذلك بعد الانجازات التي حققتها خلال قرن من الزمان في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والعلمية والفنية ، والفكرية فقادت أجيالًا عديدة نحو التنوير ولعبت جنبا إلى جنب مع الرجل أدوارًا رئيسية في الدفاع عن كرامة الوطن والمواطن ، وفي تحرير العقل العربي من ظلاميات عصور الحريم ، وتسليع المرأة ، وادخالها ضمن أسواق العمل لتصبح وزيرة وسفيرة وقاضية وشرطية إلى جانب كونها عالمة وأديبة ومعلمة وأكاديمية وأم وزوجة فاضلة ترعي شئون بيتها ومجتمعها ، لا فرق لديها بين هذا وذاك ، ولا مناص لها من أن تتحمل مسئولياتها جنبا إلى جنب مع الرجل المكافح في سبيل أن ينهض الجميع بالوطن دون تفرقة أو أستثناء.
كل هذا معروف ومفهوم ، وكل هذا مسجل ومؤرخ ولا خلاف عليه ، الكارثة ذلك التحول النوعي الطارئ الذي حدث في شخصية شريحة محددة من المجتمع المارق ، من فئة استغلت بعض الثغرات في القوانين فكونت ثروات مفاجئة عن طريق الفساد ، تربحت على حساب فئات أخرى شريفة ، استغلت نفوذ المارقين والفاسدين من بعض رجال الأعمال ، ومن بعض نجوم اللحظة ، ومشاهير الأيام السوداء ، فظهرت المرأة المصرية لتمثل مجتمعها الذي تربت فيه ونشأت عليه ، وتصورت أنها بسلوكياتها الخارجة عن الأعراف والتقاليد والأديان السماوية أنها تمثل القاسم المشترك الأعظم في المجتمع المصري العربي المسلم العظيم، كانت تعبر عن بيئتها وعن أصولها وجذورها وواقعها المحتل أخلاقيًا بمساعدة بعض الإعلاميين الفاسدين، وبعض رجال الأعمال والنفوذ المشبوهين، سيطروا علي الإعلام فظهرت لنا سيدات النيولوك ومذيعات التحريض علي إهانة الرجل وعدم احترام المرأة، تمامًا مثلمًا ظهر الإعلامي الذي يمثل ويرقص ويغني إلى جانب ما يطلق عليهم بمطربي ومطربات المهرجانات وهؤلاء اللواتي سيطرن علي حفلات الساحل الشمالي الشرير وهن يسئن إلى الفن ورواده وإلى قوة مصر الناعمة وروادها، وإلى دور مصر الطليعي الطبيعي وسط محيط أمتها العربية العظيمة ومجتمعها المصري الأصيل، ظهرت المرأة المصرية على هذا الشكل، وتلك الشاكلة لتخفي صورة المرأة المصرية الحقيقية، المكافحة والمناضلة والفلاحة التي تعمل في الحقل إلى جانب زوجها، والموظفة الكادحة التى اعمل في الهيئات والوزارات والبنوك وأجهزة الرقابة والتنظيم والإدارة والقضاء والسلك السياسي والدبلوماسي لتبني مع الرجل حضارة وطن، وترسم وتسجل بأحرف من نور بطولات وكفاح شعب، المرأة المصرية ليست السيدات المنتميات للساحل الشرير ، ولا للإعلام المشبوه ولا للفن الهابط ، ولا هن اللواتي ظهرن مؤخرًا في سباق فاضح لتقبيل مطربٍ في إحدى حفلات الساحل الشمالي، هو ما يدفعني إلى إعادة اختراع العجلة من جديد لاكتب مجددًا ، هولاء لا يمثلن المرأة المصرية ولا العربية ؟
هؤلاء لا يمثلن إلا أنفسهن، كونهن تعبير صارخ عن مجتمع فقد رشده بعد أن فقد ذاكرته التى تكونت وترعرعت في وجداننا جميعًا أيام كان الفن السابع يقوده عمالقة أمثال أمينة رزق وسيدة المسرح العربي سميحة أيوب ، وسناء جميل وسهير المرشدي والسيدة فاتن حمامة وغيرهن الكثيرات من رائدات التنوير والتفكير أمثال السيدة هدى شعراوي، والعلامة العالمة سميرة موسى والأديبات سهير القلماوي وأمينة السعيد ولطيفة الزيات والفيلسوفة دكتورة عائشة عبدالرحمن بنت الشاطئ والدكتورة نعمات أحمد فؤاد، وعائشة راتب والسيدة حكمت أبو زيد.
وغيرهن الكثيرات ممن ملأت حياة أمتنا العربية نورًا وعلمًا ، فأمتدت أعمالهن لتتجاوز حدود المنطقة إلي أفريقيا وأوروبا وأمريكا حاملات مشاعل العلم والتنوير والحضارة، وليس الهرج والمرج والرقص والتهريج والشذوذ والسفالة.
ونحمد الله ونشكر فضله أن بلادنا مازالت في يقظتها ومسئولينا في العصر الزاهر الرئيس المؤمن بشعبه وأمته يتم القبض على بعض البلوجر اللواتي خرجن عن الآداب العامة، في ضربة استباقية وإنذار شديد اللهجة لكل من تسول له نفسه أو نفسها في الصحافة والفن والإعلام وكل مناحي الحياة بأن يخرج عن عاداتنا وتقاليدنا وأن حياتنا و يشوه صورتنا أمام أمتنا وأشقائنا، فلقد أعذر من أنذر ، والبقية بعون الله في الطريق .