تحوّلت المكافأة إلى إنذار... وتحوّلت الضربة إلى درس في جامعة الحياة العملية

| علي البستكي

 قبل 40 سنة، وفي بدايات عملي في القطاع المصرفي، كنت خريجًا جديدًا، مفعمًا بالحماس والطموح، أنظر لكل تحدٍّ كفرصة، ولكل فرصة كطريق نحو القمة. التحقت بأحد المصارف في قسم نشط، حيث تُناقش الأفكار بحرارة، وتُقاس النتائج بالعوائد والأرقام، وكان لكل موظف نصيبه من الضغط، لكن أيضًا نصيبه من الطموح. كنت أعمل بكل جهدي لأثبت نفسي، لا أمام الإدارة فقط، بل أمام العملاء الذين ينتظرون نتائج ملموسة. كانت المكافآت تأتي، والتقدير يظهر، فشعرت أنني على الطريق الصحيح — وربما أسرع مما توقعت.  لكن ما لم أكن أراه، أو ربما تجاهلته عن عمد، هو ذلك “الخط الأحمر”... إدارة المخاطر. النجاح السريع، والحظ الذي خدم قراراتي، وغياب الرقابة التقنية الدقيقة حينها (حتى الكاميرات لم تكن فعالة)، كل ذلك غذّى في داخلي نوعًا من الغرور غير المعلن. كنت أبحث عن الترقية، أترقب التقدير، وأسعى للوصول إلى القمة بأسرع ما يمكن. وكنت أظن أني على وشك أن أتلقى مكافأة… لكن الذي جاءني كان إنذارًا إداريًّا مطبوعًا. صُدمت، نعم. لكن تلك الورقة لم تكن مجرد عقوبة، بل كانت درسًا عميقًا، صفارة إنذار مبكرة، لا نهاية مشوار. ولكن...  ذلك الإنذار لم يكن مجرد ورقة؛ كان مرآة وُضعت أمامي لتريني من أنا، لا كما أرى نفسي، بل كما يراني النظام، والقانون، والواقع.  بدأت أُعيد حساباتي، وأراجع قراراتي، وأفكك طريقة تفكيري. فهمت أن الذكاء لا يُقاس بسرعة النتائج، بل بقدرتك على الاستمرارية تحت الضغط، وعلى الموازنة بين الجرأة والحكمة. فهمت أن إدارة المخاطر ليست قيدًا، بل هي الضابط الذي يجعل شجاعتك ذات قيمة، لا تهورًا.  تحوّلت الضربة إلى درس، والدرس تحوّل إلى نقلة. مع الوقت، أكملت دراساتي العليا، ترقّيت فعلًا. ليس لأنني طمعت، بل لأنني استحققت. أصبحت أكثر نضجًا، أهدأ قرارًا، وأعمق فهمًا لسلوك السوق، ولطبيعة المؤسسات، والأهم: لفن القيادة.  خاتمة: إلى من يبدأون الآن... إلى كل شاب يدخل هذا العالم بشغف وحماس، تذكر أن الأرقام وحدها لا تحكي القصة الكاملة. قد تخدعك الأرباح المؤقتة، وقد يفتح لك الحظ أبوابًا ما كنت لتحلم بها، لكن لا تنسَ أن “الخط الأحمر” – إدارة المخاطر – موجود دائمًا، وإن لم تره. لا تجعل الطموح يُعميك عن القواعد، ولا تظن أن الالتفاف على النظام يختصر الطريق. فالطريق الحقيقي ليس في السرعة، بل في الثبات والانضباط والوعي بالمخاطر. اعمل، اجتهد، ابتكر وتعلم ... لكن لا تطمع أن تُكافأ دائمًا على الفور. ففي بعض الأحيان، الدرس الذي يؤلمك اليوم... هو الذي يصنعك غدًا. وجامعة الحياة تفتح أبوابها للجميع، لكنها لا تمنحك شهادتها إلا بعد أن تمر باختبار لا يُنسى. وأنا نجحت، فقط عندما فهمت الرسالة. *خبير‭ ‬مالي‭ ‬ومصرفي‭ ‬بحريني