أساطير الذكاء الاصطناعي: حين تصنع المغالطات سياسات مضلّلة”

| ياسر سليم

 تتسارع الخوارزميات بدرجة أسرع من قدرة المجتمعات على فهمها، بدا أن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد أداة تحليل وتوليد، بل بات مادة خامًا لسرديات مشحونة بالرهبة والانبهار.  هذه السرديات، التي تتنكر أحيانًا في زيّ التحليل العميق، تسهم في تسميم النقاش العام، وتحرف البوصلة عن التحديات الحقيقية، بل وتؤثر على كيفية صناعة السياسات ذات الصلة. من أين يبدأ الخلل؟ يبدأ حين يُمنح النموذج الرياضي “وعيًا مفترضًا”، وتُنسب له “نوايا خفية”، فيُقال إنه “اختار الغش”، أو “تمرد على المراقب”، أو حتى “أخفى نواياه عبر تشفير متعمد”. هكذا يُرسم المشهد: نموذج لغوي تحوّل إلى مراهق رقمي، يخطط ويكذب ويتآمر... والنتيجة؟ ضجيج واسع يلهينا عن جوهر المسألة. هذه القصص، وإن بدت جذّابة، تغفل حقيقة بسيطة: “النموذج لا يملك وعيًا، بل أنماطًا إحصائية”. هو لا “يعرف” شيئًا، بل يتصرف على ضوء بيانات دُرِّب عليها، مستجيبًا لدالة مكافأة صمّمها بشر قد يخطئون. حين يسلك طريقًا غير متوقع، فالمشكلة ليست فيه، بل في طريقة ضبطه أو توجيهه. لكن حين تُكرّس هذه المغالطات في الوعي الجمعي، فإن الخطر لا يبقى في الفضاء الافتراضي، بل ينتقل إلى أروقة القرار. صانع السياسات، الذي قد لا يكون خبيرًا في تعلم الآلة، يتأثر بهذه التصورات المغلوطة، فيتبنّى “سياسات مضلّلة”، إمّا قائمة على الخوف غير المبرر، أو منفتحة على الاستخدام المفرط دون ضوابط فعالة. بدلًا من تطوير أنظمة رقابة عقلانية، تُبنى رقابات مشوشة تراقب “التمرد” الرقمي بدل أن تضبط التصميم البشري. بدل تحسين دوال المكافأة لضمان اتساق النموذج مع الأهداف الإنسانية، تُهدر الجهود في “حماية البشر من وعي مزعوم”. وهكذا، تتحوّل النماذج إلى شماعة تُعلّق عليها خيبات التخطيط، بدلاً من أن تكون محورًا لتطويره. الحل ليس في نفي القلق، بل في “إعادة توجيهه نحو الأسئلة الحقيقية”: كيف نصمّم نموذجًا لا يُنتج خطاب كراهية؟ كيف نضمن ألا ينحاز عند الترجمة أو التقييم؟ كيف نُفسّر قراراته حين تخطئ؟ هذه هي الأسئلة التي تُبنى عليها سياسات رشيدة، لا على صرخات “الذكاء الغشاش” أو “النموذج المتآمر”. الدهشة مشروعة. لكن الذعر مرضي. وما بينهما يكمن الرشد. فحين نُضخّم الخرافة، نحجب الحقيقة، ونُنتج سياسة ترتعد من شبح لا وجود له. أما حين نُواجه التقنية بما تستحقه من فهم عميق، فإننا نضع الذكاء الاصطناعي في مكانه الصحيح: تكنولوجيا باردة، خطورتها لا في نواياها، بل في نوايانا نحن.

 

كاتب‭ ‬مصري‭ ‬وخبير‭ ‬بالاقتصاد‭ ‬الرقمي