وصفة التبريرات للتخلص من القضية
| كمال الذيب
وبالرغم من مرارة الهزيمة وآثارها الكارثية على العرب القائمة إلى اليوم، فإن “النكبة” أصبحت فلسطينية فقط، لذلك نجد من يرغب في طيّ الصفحة من خلال صفقة خاسرة مع تغول اليمين المتوحش واستشراء الاستيطان والقتل والتدمير والإبادة، وبذات موجة التنصل من القضية، ومن بقي انضم إلى صفوف المتظاهرين تعبيرًا عن الانحياز لبقايا القضية وبعضهم انسل صامتًا. السؤال: من أين يأتي العرب بمثل هذه القدرة على التأقلم مع الأوضاع البائسة، وابتلاع المذلة، وامتلاك القدرة على خفض جناح الذل لكل الاحتمالات. ومع ذلك يخفقون في جميع الأحوال: في نظرية الأرض مقابل السلام، وفي نظرية سراب السلام العادل والشامل، وفي نظرية مؤتمر مدريد وصولًا إلى أوسلو وانتهاء بالمبادرة العربية للسلام. ولذلك أصبحنا اليوم نعيش على حافة الانهيار الكبير، لا أحد يستمع حتى لأصواتنا في زمن حرب التجويع والتنكيل والإبادة، في سباقنا المحموم لاعتلاء منصة البلادة، لا معنى للتعاطف ولا التنديد ولا الأقراص المخدرة للكرامة. الكل يتاجر بالقضية بطريقته، وعلى استعداد لبيع حصته من الفضيلة: بين من يسجل أهدافًا على حسابها، ومن يتطهر بأثوابها، ومن يعلي اسمها في الهواء، ومن يريد غسل وجهه بقداستها ومن يريد كسب ميداليات في سباق البطولة الوهمية. على الضفة الأخرى يغلق اليمين الأكثر تطرفًا في العالم أبواب (الجنة) أمام من بقي من الفلسطينيين خلف جدار برلين، والإعلان عن خطر عرب الداخل، مع الدعوة إلى الحصار والتشريد والترانسفير نحو القريب والبعيد، لتعود من جديد أزمة “الكيانية الإسرائيلية” راسمة صورة يلفها التشاؤم والسواد.
لقد فشلت كل الحلول وجهنم “أورانيم” التي أرادها اليمين الفاشي محرقة للفلسطينيين، ليس بوسعها تحقيق الانتصار النهائي بالشطب على الذاكرة والوجود، لأن هذا اليمين هو نفسه ضحية جدار الفصل العنصري الذي يحاصره من الجانب الآخر تمامًا مثل الفلسطينيين، كما تحاصره القضية وما بقي من الضمير العالمي، لذلك لن يتمكن من الصمود أمام القضية أو إلقائها خارج حياته ووعيه. أما حالنا المسكين في هذا الزمن الرذيل، فإننا نكاد نكتفي بالمشاهدة والدعاء وربما البكاء، متذرعين بالعجز والعقل والحكمة لتجرع وصفة التبريرات العقلانية لمحاولة نسيان القضية، كي ننعم بالسلامة على أنفسنا، وبالطمأنينة وببقائنا الممسوخ.
كاتب وإعلامي بحريني