زمن “البلوجرز”... بين الفن المشوه والتمثيل الحقيقي

| أسامة الماجد

‭ ‬أعجبني،‭ ‬بل‭ ‬أبهرني،‭ ‬القرار‭ ‬الأخير‭ ‬الذي‭ ‬أصدره‭ ‬الدكتور‭ ‬أشرف‭ ‬زكي،‭ ‬نقيب‭ ‬المهن‭ ‬التمثيلية‭ ‬في‭ ‬مصر‭.. ‬هذا‭ ‬القرار‭ ‬الحاسم‭ ‬بمنع‭ ‬“البلوجرز”‭ ‬و”التيك‭ ‬توكرز”‭ ‬من‭ ‬اقتحام‭ ‬عالم‭ ‬التمثيل‭ ‬دون‭ ‬تأهيل‭ ‬أكاديمي‭ ‬متخصص‭ ‬هو‭ ‬بمثابة‭ ‬صرخة‭ ‬مدوية‭ ‬لا‭ ‬تقبل‭ ‬النقاش،‭ ‬إنها‭ ‬صرخة‭ ‬مغموسة‭ ‬بأحزان‭ ‬كل‭ ‬فنان‭ ‬حقيقي،‭ ‬كل‭ ‬ممثل‭ ‬صاحب‭ ‬تاريخ‭ ‬أمضى‭ ‬سنوات‭ ‬عمره‭ ‬في‭ ‬الدراسة‭ ‬والاجتهاد‭.‬

أحب‭ ‬أن‭ ‬أطلق‭ ‬على‭ ‬هؤلاء‭ ‬لقب‭ ‬“مهرجي‭ ‬السوشال‭ ‬ميديا”،‭ ‬أصحاب‭ ‬“الصناعة‭ ‬المشوهة”،‭ ‬وأسرى‭ ‬الفكرة‭ ‬الوهمية‭ ‬بأنهم‭ ‬ممثلون‭ ‬بحق،‭ ‬فماذا‭ ‬يعرف‭ ‬هؤلاء‭ ‬عن‭ ‬فن‭ ‬التمثيل؟‭ ‬لقد‭ ‬تحول‭ ‬التمثيل‭ ‬في‭ ‬زمننا‭ ‬هذا‭ ‬إلى‭ ‬سلعة‭ ‬تُشترى‭ ‬لمن‭ ‬يدفع‭ ‬أكثر،‭ ‬أو‭ ‬لمن‭ ‬يمتلك‭ ‬شعبية‭ ‬زائفة‭ ‬على‭ ‬منصات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭. ‬القضية‭ ‬هنا‭ ‬ليست‭ ‬تحجيمًا‭ ‬لأي‭ ‬شخص‭ ‬أو‭ ‬محاربة‭ ‬للإبداع،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬معركة‭ ‬للحفاظ‭ ‬على‭ ‬قيمة‭ ‬الفن‭ ‬الأصيل‭. ‬من‭ ‬غير‭ ‬المعقول‭ ‬أن‭ ‬تتغير‭ ‬صورة‭ ‬البطل‭ ‬الذي‭ ‬كدّ‭ ‬واجتهد‭ ‬لسنوات‭ ‬طويلة‭ ‬ليقدم‭ ‬أعمالًا‭ ‬فنية‭ ‬خالدة،‭ ‬لتُستبدل‭ ‬فجأة‭ ‬بصورة‭ ‬شخص‭ ‬لا‭ ‬يمت‭ ‬للتمثيل‭ ‬بصلة،‭ ‬شخص‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬حتى‭ ‬مواضع‭ ‬الكاميرا،‭ ‬ولا‭ ‬يفقه‭ ‬أبجديات‭ ‬اللغة‭ ‬الدرامية،‭ ‬أو‭ ‬السينمائية،‭ ‬أو‭ ‬حتى‭ ‬المسرحية‭.‬

عالم‭ ‬هؤلاء‭ ‬ضيق‭ ‬ومحدود‭ ‬للغاية،‭ ‬هو‭ ‬مجرد‭ ‬وقفة‭ ‬أمام‭ ‬كاميرا‭ ‬الهاتف‭ ‬وثرثرة‭ ‬لدقائق‭ ‬معدودة،‭ ‬وهذا‭ ‬نقيض‭ ‬تمامًا‭ ‬للفنان‭ ‬الحقيقي‭ ‬الذي‭ ‬دخل‭ ‬المعهد،‭ ‬ويحمل‭ ‬في‭ ‬داخله‭ ‬كل‭ ‬مقومات‭ ‬التمثيل‭ ‬الأصيل‭.. ‬الفنان‭ ‬الحقيقي‭ ‬الذي‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يجسد‭ ‬الشخصيات‭ ‬بعمق‭ ‬وصدق،‭ ‬لا‭ ‬مجرد‭ ‬تقليد‭ ‬أو‭ ‬استعراض‭ ‬سطحي‭.‬

لكن‭ ‬للأسف،‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬الزمن‭ ‬المادي‭ ‬أصبح‭ ‬الفنان‭ ‬الحقيقي‭ ‬مجرد‭ ‬زينة‭ ‬ومهمشا،‭ ‬والمجتمع‭ ‬أو‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬منه‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬أصبح‭ ‬راعيًا‭ ‬عظيمًا‭ ‬لأولئك‭ ‬البلوجرز،‭ ‬يصفق‭ ‬لهم‭ ‬ويتابعهم،‭ ‬ويزيد‭ ‬من‭ ‬سطوتهم‭ ‬الزائفة‭.‬

 

‭* ‬كاتب‭ ‬بحريني