الدور الخليجي في أمن البحر الأحمر
| د. أحمد الخزاعي
لطالما مثّل البحر الأحمر معبرًا استراتيجيًا يربط بين قارّات العالم ومصالحه، وساحة تنافس جيوسياسي بالغ التعقيد بين قوى إقليمية ودولية لما له من أهمية استراتيجية. غير أن المشهد الأمني في هذه المنطقة الحيوية شهد خلال السنوات الأخيرة تحوّلات مهمة، يتصدرها تغير طبيعة الدور الخليجي من مجرد وكيل أو ممول في معادلة الأمن البحري، نحو مساهمة حزبية مباشرة وفعالة في صنع الترتيبات الأمنية والمؤسسية في المنطقة، وهذا يعكس ديناميكية سياسية خليجية أكثر استقلالية، وهو ما يثير قضايا استراتيجية تستحق المعالجة والتفكيك. خلال العقد الماضي، شهدنا انخفاضًا في اعتماد الخليج على القوة بالوكالة، مصحوبًا بزيادة في نشر القوات والمنشآت العسكرية، حيث أنشأت الإمارات العربية المتحدة قواعد عسكرية في إريتريا، ثم تحولت لاحقًا إلى وجود لوجستي في جزيرة ميون اليمنية، بينما عززت السعودية وجودها في بورت سودان كجزء من ترتيبات أمنية أوسع، ووسّعت البحرين نشاطها البحري بالتنسيق مع الشركاء الدوليين. يعكس كل هذا الوجود العسكري رغبة الخليج في التحول من مستهلك للأمن إلى مزود له، ويدل على تنامي الوعي بأهمية البحر الأحمر في حماية المصالح الاقتصادية والأمنية الخليجية في ظل تزايد التهديدات العابرة للحدود من الإرهاب وتهريب الأسلحة والحروب على طرق التجارة البحرية. رافقت الخطوات العسكرية مبادرات مؤسسية تسعى لخلق وتحسين أُطر تعاون إقليمي أكثر ديمومة. هنا تأتي أهمية تأسيس “مجلس البحر الأحمر وخليج عدن” كمحاولة سعودية لربط دول الشاطئ الشرقي والغربي ضمن مظلة تنسيقية. كما شهدت المنطقة منتديات تعاون غير رسمي تستهدف تقارب المواقف وبناء الثقة، هذه المحاولات، وإن لم تكتمل بعد، تشي بتحول خليجي من إدارة الأزمات إلى هندسة البيئة الأمنية، وتفتح الباب أمام إمكانيات بناء منظومة ردع واستقرار ذاتية، تقودها دول الإقليم بدلًا من القوى الكبرى. سيواجه توجه الخليج نحو “السيادة الأمنية” في البحر الأحمر تحديات هيكلية وسياسية. داخليًا، لا يمكن تحقيق التكامل الأمني بنجاح نظرًا للهشاشة المؤسسية للدول الأفريقية المجاورة. أما خارجيًا، تُعقّد مصالحها المتعارضة مع مصالح القوى الكبرى كالصين وروسيا الأمور عند محاولة إنشاء أي شكل من أشكال البنية الأمنية المستقلة. إضافةً إلى ذلك، تُتهم بعض المبادرات الخليجية بأنها تعكس أجندات توسيع النفوذ بدلًا من الحاجة إلى الأمن الجماعي؛ وبالتالي، تُطرح تساؤلات حول شمولية التحول ومصداقيته مع بعد الدولتين جغرافيا، وتواجد دول الخليج وسط التغيرات الجيوسياسية العاصفة. السؤال المحوري هنا، هو ما إذا كانت دول الخليج تمتلك نفوذًا كافيًا لتحويل البحر الأحمر من ساحة تنافس دولي إلى نموذج أمن جماعي إقليمي؛ سيعتمد هذا على قدرتها على تجاوز الاعتبارات الضيقة، وتعزيز التنسيق المؤسسي داخليًا ومع الآخرين أيضا. كما أن بناء تحالفات تحترم مصالح التنوع دون الاعتماد على محاور خارجية. هناك إمكانات واقعية لتعزيز دور دول الخليج؛ ومع ذلك، فإن هذه الخطوة لا تزال في بداياتها، وستحتاج إلى تقييم دقيق ومستمر لضمان استمرارها مع تقليل هامش الصراع والارتجال. إن الانتقال الخليجي من منطق “الوكالة” إلى منطق “السيادة” في أمن البحر الأحمر لا يُعد مجرد تطور تكتيكي، بل هو انعكاس لتحول في إدراك الذات والدور. لكن هذا التحول لن يؤتي ثماره دون هندسة مؤسسية متينة، وشراكات واقعية، ورؤية استراتيجية تتجاوز الحسابات الظرفية نحو بناء نموذج إقليمي مستقر وآمن.
مستشار سياسي بحريني