قُبلة راغب!
| أسامة مهران
لم يكن الأمر يستحق، ولا العَرَض الأخلاقي مطالبًا بإقامة الحدود عليه، مجرد “شبه قُبلة” على شفاه مطرب، أو قُبلة على الخد ليس إلا، هكذا كان المشهد فاضحًا من بعض السيدات اللاتي وصفتهن “السوشال ميديا” بالمنفلتات، هكذا كان الوضع مُخلًّا بالأعراف، متجاوزًا العادات والتقاليد، ومنحرفًا عن أدبيات الحفلات الموسمية لأشهر المطربين العرب. المطرب اللبناني راغب علامة كان فارس المشهد، وكانت بعض الفتيات “غير المنضبطات” تشاركنه المسلسل غير المقبول.. تبادل للقبلات على مسرح الأحداث، وليس تبادلًا لـ “الدندنة” على العود، تلامس وأحضان وممارسات لا ترتقي لمكانة المطرب اللبناني، ولا لقامة الفن بسلوكياته وممارساته وتأثيره على المجتمع. في قديم الزمان كان الرائع عبدالحليم حافظ يشدو بأعذب الألحان، وكانت السيدات تصعدن إلى المسرح للسلام عليه ليس إلا، وأذكر أن العندليب الأسمر كان يبادلهن السلام والكلام ولكن على استحياء، لم تجرؤ سيدة أو فتاة على تقبيله، بل لم يجرؤ محب ولهان على احتضانه ليعبر له عن ولهه وعشقه لهذا الفتى المصري الأسمر البديع. كان كل شيء خاضعًا لعاداتنا وتقاليدنا، لقيمنا وأصولنا واحترامنا الغناء والفن والمطرب المبدع في ذلك الزمان، لكن على ما يبدو أن تقاليد “الساحل الشرير” كانت أكثر تأثيرًا من موروثنا الديني والسلوكي والاجتماعي، وكانت فتيات الأيام السوداء لا تكترثن بأنهن فوق أرضٍ عربية، وتحت سماء لا تؤمن إلا بما شرعه الله، وما أتاحته الشرائع والأخلاقيات والقيم المتوازنة أبا عن جد.
“الساحل الشرير” أو هكذا يلقبونه، الجزء الممتد من بعد “مارينا الساحل الشمالي” حتى العلمين، هو الذي جاء إلينا بهذه العادات الدخيلة، وبتلك الدنيا الغريبة، ومختلف الممارسات الشاذة على كل زمان عربي وكل مكان بحول الله. ما إن خرجت الأنباء من موقع الحفل، حتى قامت الدنيا ولم تقعد، “سوشال ميديا” تهاجم، ومواقع إلكترونية تحلل وتبرر، وفضائيات تجري لقاءات مع نقيب المهن الموسيقية مصطفى كامل، وتحقيقات صحافية يتصدى خلالها الصحافيون للظاهرة ويستشهدون بأهم النقاد الفنيين في العصر الحديث الزميل طارق الشناوي ابن شقيق كل من الراحلين شاعر “لا تكذبي” كامل الشناوي، وشاعر “أم كلثوم” مأمون الشناوي. الناقد طارق كان عاقلًا كعادته، يعيش الزمن الراهن بكل قوانينه، وينتقد المشاهد والتجاوزات برؤى ترتبط بالواقع المحيط، فلا يرفض ولا يقبل بالموجود، لا يعاتب ولا يصافح المخطئين، لكنه يصف المشهد وكأنه حالة استثنائية في زمن مكتظ بالاستثناءات. أما النقيب مصطفى كامل بدبلوماسيته البديعة فلم يقبل ما فعله الجمهور مع “راغب” ولم يرفض للنهاية كيفية معاملة الفنان اللبناني الكبير للناس، أما الفنان فكلامه كان واضحًا، فهو لا “يضرب” المعجبين به ولا ينهرهم كآخرين، ملمحًا لـ “عمرو دياب” وهو بالتالي لا يطلب من الجماهير العريضة أن لا يقوموا بتصوير بعض المواقف “الحساسة”، شأنه في ذلك شأن المطربة الشعبية “رحمة محسن” التي كانت ترجو “المراهقين” بعدم التحرش بصريًّا. مصطفى كامل يصدر قراره الحاسم كنقيب للموسيقيين بمنع راغب علامة من الغناء في مصر، والدنيا قامت ولم تقعد بفعل القبلات المشينة، والخروج عن المألوف، ولكن هل يستطيع سيادة “النقيب” منع الجماهير وإعادة تربيتهم من جديد؟ وهل سيترك المسرح “سداحًا مداحًا” للبلطجية والمتهورين وأصحاب اللا قيم من السادة والسيدات وكثير من المنفلتين؟ ربما، لكن الأكيد أن أخلاقيات “الساحل الشرير” ستظل خارجة عن العادات والتقاليد.
كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية