ترنيمة الأمل

| صادق أحمد السماهيجي

بين‭ ‬النظرة‭ ‬الواقعية‭ ‬والنظرة‭ ‬الخيالية،‭ ‬تنعقد‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬المقارنات،‭ ‬وتكون‭ ‬الفجوة‭ ‬شاسعة‭ ‬وواضحة‭ ‬في‭ ‬بيان‭ ‬الفروقات‭ ‬والاختلافات‭ ‬التي‭ ‬تمثل‭ ‬كل‭ ‬لون‭ ‬وصنف‭ ‬من‭ ‬هذه‭ ‬الصنوف‭ ‬على‭ ‬حدة‭.‬

الشخص‭ ‬الواقعي،‭ ‬يعيش‭ ‬الحياة‭ ‬بكل‭ ‬تفاصيلها،‭ ‬ويستخدم‭ ‬ميزان‭ ‬العقل‭ ‬والمنطق‭ ‬في‭ ‬الحكم‭ ‬على‭ ‬الأمور،‭ ‬ويتعامل‭ ‬مع‭ ‬الأشياء‭ ‬بشكل‭ ‬عملي‭ ‬ومباشر‭ ‬وصريح،‭ ‬فيما‭ ‬الشخص‭ ‬الخيالي‭ ‬يستطيع‭ ‬أن‭ ‬يبني‭ ‬له‭ ‬حياة‭ ‬غير‭ ‬حياة‭ ‬هذه‭ ‬الأرض‭ ‬التي‭ ‬نعيش،‭ ‬وتكون‭ ‬الأحلام‭ ‬بشكل‭ ‬عام،‭ ‬وأحلام‭ ‬اليقظة‭ ‬بشكل‭ ‬خاص،‭ ‬ثيمة‭ ‬ملازمة‭ ‬لهذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬الشخصيات،‭ ‬يسافر‭ ‬ويتأمل‭ ‬ويفكر‭ ‬ويؤلف‭ ‬القصص‭ ‬ويعمل‭ ‬أي‭ ‬شيء‭ ‬يخطر‭ ‬على‭ ‬باله،‭ ‬وهو‭ ‬سارح‭ ‬غير‭ ‬مبارح‭ ‬مكانه‭.‬

لسنا‭ ‬بصدد‭ ‬توضيح‭ ‬الأفضلية‭ ‬بين‭ ‬الواقعي‭ ‬والخيالي،‭ ‬الأول‭ ‬يرى‭ ‬الحياة‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬كائن،‭ ‬والثاني‭ ‬قد‭ ‬يرى‭ ‬الحياة‭ ‬بأكثر‭ ‬من‭ ‬صورة‭ ‬ومنظور،‭ ‬ويتطلع‭ ‬دائماً‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬سيكون،‭ ‬لكن‭ ‬في‭ ‬مقابل‭ ‬كل‭ ‬ذلك،‭ ‬يراودني‭ ‬السؤال‭ ‬التالي‭: ‬أين‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬نصنف‭ ‬“الأمل”‭ ‬بين‭ ‬الشخصيتين،‭ ‬وهل‭ ‬هي‭ ‬صفة‭ ‬يمكن‭ ‬أن‭ ‬تكون‭ ‬مشتركة‭ ‬بين‭ ‬الخيالي‭ ‬والواقعي؟‭!‬

بقدر‭ ‬ما‭ ‬نشاهد‭ ‬ونسمع،‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الدولي،‭ ‬من‭ ‬صراعات‭ ‬وحروب،‭ ‬ومآسٍ‭ ‬كثيرة‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬الإنسان،‭ ‬من‭ ‬تجويع‭ ‬وتشريد‭ ‬ودمار‭ ‬وجرائم‭ ‬يندى‭ ‬لها‭ ‬الجبين‭ ‬من‭ ‬عظم‭ ‬قسوتها‭ ‬وبشاعتها،‭ ‬وعلى‭ ‬رغم‭ ‬ما‭ ‬يعتري‭ ‬الإنسان،‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬الشخصي،‭ ‬من‭ ‬انتكاسات‭ ‬ونكبات،‭ ‬مثل‭ ‬المرض‭ ‬أو‭ ‬التجارة‭ ‬أو‭ ‬علاقات‭ ‬العائلة‭ ‬وغيرها،‭ ‬يبقى‭ ‬هناك‭ ‬بصيص‭ ‬من‭ ‬الأمل‭ ‬يُحيي‭ ‬في‭ ‬الإنسان‭ ‬الشعور‭ ‬بوجوده،‭ ‬والحث‭ ‬على‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الخطوات‭ ‬للتقدم‭ ‬إلى‭ ‬الأمام،‭ ‬والدافعية‭ ‬الكبيرة‭ ‬لعدم‭ ‬الاستسلام‭ ‬“ما‭ ‬أضيق‭ ‬العيش‭ ‬لولا‭ ‬فسحة‭ ‬الأملِ”‭.‬

من‭ ‬جانب‭ ‬موازٍ،‭ ‬أستحضر‭ ‬هذه‭ ‬المقولة‭ ‬في‭ ‬جانبيها‭ ‬الإيجابي‭ ‬والسلبي‭ ‬على‭ ‬السواء‭ ‬“الخدعة‭ ‬التي‭ ‬تهبك‭ ‬الحياة‭.. ‬خير‭ ‬من‭ ‬الموت‭ ‬بسبب‭ ‬خيبة‭ ‬أمل”،‭ ‬إذ‭ ‬يلجأ‭ ‬البعض‭ ‬إلى‭ ‬استخدام‭ ‬تقنية‭ ‬“الخدعة”‭ ‬أو‭ ‬“الأمل‭ ‬الكاذب”،‭ ‬في‭ ‬سبيل‭ ‬استمرار‭ ‬أكسجين‭ ‬الحياة‭ ‬للوصول‭ ‬إلى‭ ‬الأحلام‭ ‬والرغبات‭ ‬والمساعي‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تتحقق‭ ‬بعد،‭ ‬فقد‭ ‬يستخدمها‭ ‬البعض‭ ‬لصالح‭ ‬نفسه،‭ ‬وقد‭ ‬يستخدمها‭ ‬البعض‭ ‬الآخر‭ ‬في‭ ‬حق‭ ‬أشخاص‭ ‬آخرين،‭ ‬وهنا‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬نحذر‭ ‬من‭ ‬هؤلاء‭ ‬الذين‭ ‬يوظفون‭ ‬“الأمل”‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬تسيير‭ ‬مصالحهم‭ ‬والطبطبة‭ ‬على‭ ‬هؤلاء‭ ‬الضعفاء‭ ‬الذين‭ ‬لا‭ ‬حول‭ ‬لهم‭ ‬ولا‭ ‬قوة،‭ ‬أملاً‭ ‬في‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬آمالهم‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬اللعب‭ ‬على‭ ‬مشاعرهم‭.‬

أعتقد‭ ‬جازماً،‭ ‬أن‭ ‬الواقعي‭ ‬والخيالي،‭ ‬بحاجة‭ ‬إلى‭ ‬أنهار‭ ‬من‭ ‬الأمل،‭ ‬للعيش‭ ‬في‭ ‬ظل‭ ‬هذه‭ ‬الحياة‭ ‬المعقدة‭ ‬بالتناقضات،‭ ‬والمليئة‭ ‬بالمتغيرات‭ ‬السلبية‭ ‬التي‭ ‬تنعكس‭ ‬على‭ ‬الأشخاص‭ ‬والمجتمعات،‭ ‬فهذا‭ ‬ينتظر‭ ‬وظيفة‭ ‬لولده،‭ ‬وذاك‭ ‬يأمل‭ ‬الإفراج‭ ‬عن‭ ‬أخيه‭ ‬من‭ ‬الأسر،‭ ‬وآخر‭ ‬يترقب‭ ‬عودة‭ ‬صديقه‭ ‬المسافر‭. ‬ختاماً،‭ ‬أستذكر‭ ‬ما‭ ‬جاءت‭ ‬به‭ ‬فيروز‭ ‬من‭ ‬عنوان‭ ‬لافت‭ ‬بمعانٍ‭ ‬ودلالات‭ ‬كبيرة‭ ‬“إيه‭ ‬في‭ ‬أمل”،‭ ‬وأستعين‭ ‬بـ‭ (‬ترنيمة‭ ‬الإيمان‭) ‬من‭ ‬كلمات‭ ‬الأخوين‭ ‬رحباني‭ ‬التي‭ ‬تقول‭ ‬فيها‭ ‬فيروز‭ ‬“كلّي‭ ‬إيمان‭.. ‬أؤمِنُ‭ ‬أنْ‭ ‬خلف‭ ‬الحبات‭ ‬الوادعات‭.. ‬تزهو‭ ‬جنات،‭ ‬أؤمِنُ‭ ‬أنْ‭ ‬خلف‭ ‬الليل‭ ‬العاتي‭ ‬الأمواج‭.. ‬يعلو‭ ‬سراج”‭. ‬دمتم‭ ‬تترنمون‭ ‬بالأمل‭.‬

 

كاتب‭ ‬بحريني