نكبة 2007
| أحمد جعفر
في كل صراع بين حماس وإسرائيل منذ استيلاء الحركة الراديكالية المتشددة على قطاع غزة، يتصدر الموت والدمار والمآسي الإنسانية مشهدًا لطالما تلام إسرائيل عليه بصفتها الطرف الأقوى في المعادلة العسكرية. وبلا أدنى شك، تتحمل إسرائيل مسؤولية كبرى عن معاناة الفلسطينيين في أرض تحولت إلى كومة ركام حتى باتت مكانًا غير قابل للعيش البشري بالمعنى الحرفي. ولكن علينا أيضًا النظر في كامل إطار الصورة لقراءة الواقع بموضوعية وإنصاف؛ فالمأساة في غزة ليست ناجمة فقط عن غارات المقاتلات الإسرائيلية المتقدمة، بل ولدت منذ ذلك الانقلاب المشؤوم الذي وقع عام 2007، حين استولت حركة حماس على السلطة بالقطاع وحكمت الغزيين بالحديد والنار بلا رحمة. جاءت حماس للحكم عبر فوهات البنادق ويديها ملطخة بدماء الفلسطينيين، حيث فرضت على الناس نظامًا آيديولوجيًّا لا يقيم وزنًا للحريات ولا الحياة المدنية، وأدخلت المجتمع في واقع بائس حتى قبل السابع من أكتوبر 2023. هجمات حماس الأخيرة على إسرائيل، والتي شملت استهدافًا متعمدًا للمدنيين الإسرائيليين والأجانب، واستخدامًا ممنهجًا للعنف الجنسي، بحسب تقارير دولية موثوقة، لم تكن سوى مغامرة طائشة دفع ثمنها سكان غزة قبل غيرهم. لقد أظهرت الحركة مرة أخرى أنها لا تضع مصلحة الشعب الفلسطيني ضمن أولوياتها، بل تتصرف كجماعة مسلحة ذات أجندة آيديولوجية، ترى في الدم وسيلة وحيدة لفرض وجودها. أما إسرائيل، من جانبها، فقد تجاوزت مبدأ الدفاع عن نفسها وأفرطت في عنف غير مبرر تجاوز المعايير الإنسانية، ما جعل بعض عملياتها العسكرية ترقى إلى جرائم حرب. ومع ذلك، يحتاج الكثير من العرب للنظر بعين شاخصة لهذا الصراع، وإيقاع اللوم على الطرفين على حد سواء؛ لأن تجاهل سلوك حماس غير المدروس، والذي ورط الفلسطينيين في معارك لا قدرة لديهم على تحملها، لن يؤدي إلا لدورات جديدة من العنف مستقبلًا، مع وجود آلات إعلامية ضخمة تعمل بصورة ممنهجة لتغييب العقول واللعب على وتر العواطف في هذا الصراع الذي بدأ بنكبة 1948، وهي ليست أسوأ من نكبة صعود حماس للسلطة عام 2007 على الفلسطينيين بالقطاع. إن المجاعة المؤلمة التي يعاني منها الفلسطينيون في غزة اليوم والانهيار الكامل للخدمات العامة وتدمير البنية التحتية بشكل شبه كلي، وكل ما يحدث في الشريط الساحلي المكلوم، ليس فقط نتيجة آلة الحرب الإسرائيلية التي طالت البشر والحجر دون وضع اعتبار للمدنيين العزل؛ بل هو أيضًا ثمرة سياسات حماس المتشددة، والتي استبدلت التنمية بالأنفاق والتسلح، والاقتصاد بشعارات المقاومة البالية. اليوم، خروج حماس من القطاع وتسليمه السلطة الفلسطينية، وهي تحتاج بدورها إلى إصلاحات شاملة لتأسيس حكومة تكنوقراط تدير الضفة وغزة معًا، أصبح ضرورة أخلاقية ملحة لإنهاء واحدة من أكثر الحروب دموية في القرن الحادي والعشرين. لقد آن الأوان أن يُسمع الصوت الفلسطيني الحر بعيدًا عن سلوك حماس القمعي، ذاك الصوت المعتدل الذي يريد الحرية والحياة الكريمة، لا الموت تحت رايات جماعات متطرفة كان بإمكانها إطلاق سراح الرهائن لإنهاء حصار قضى على الأخضر واليابس.
كاتب بحريني