انقلابات أشهر يوليو.. جراح لم تندمل

| عبدالنبي الشعلة

إن التاريخ هو الشاهد الصادق على مصائر الأمم ومسارات الشعوب. فمنذ أكثر من خمسين عامًا، وقعت سلسلة من الانقلابات العسكرية في منطقتنا العربية والإسلامية، معظمها وقع في مثل هذا الشهر؛ شهر يوليو، رُفعت فيها رايات “الثورة” و “التغيير”، لكنها سرعان ما انكشفت عن فصول دامية من الفوضى والاقتتال والانقسام. هذا المقال يقف عند واحدة من تلك المحطات؛ ليعيد طرح السؤال الجوهري: هل يصنع العنف مستقبلًا؟ وهل يمكن أن يأتي الاستقرار من بوابة الخيانة والانقلاب؟ قبل أكثر من 50 عامًا، في مثل هذا الشهر من العام 1973، كنت أستعد للعودة إلى البحرين من مدينة مومباي الهندية بعد أن أكملت دراستي الجامعية. في ذلك الشهر وقع انقلاب عسكري في أفغانستان أطاح بالملك محمد ظاهر شاه والنظام الملكي الذي دام أكثر من قرنين. كان الملك وقتها خارج البلاد للعلاج في إيطاليا، بينما كان من دبّر الانقلاب وأعلن الجمهورية هو ابن عمه ورئيس وزرائه السابق محمد داود خان، الذي نصّب نفسه رئيسًا للدولة والحكومة ووزيرًا للخارجية وقائدًا عامًا للجيش.وقد كان من بين طلبة كلية القديس زيفير في مومباي أحد أحفاد الملك المخلوع، كان اسمه أحمد ابن الأمير محمد نادر شاه إذا لم تخني الذاكرة، الذي جاء لمواساته في سكن الطلبة عدد من الطلبة الأفغان الدارسين في مومباي في تلك الفترة. تقلد محمد ظاهر شاه الحكم في أفغانستان بالعام 1933، وعين، ابن عمه، داود خان رئيسًا للوزراء بين العامين 1953 و1963. غير أن العلاقة بين الرجلين توترت بعد إقصاء داود عن منصبه، على خلفية إصلاحات دستورية أطلقها الملك شملت حظر تولي أفراد الأسرة المالكة لمناصب سياسية. وكما هي العادة في مثل هذه الانقلابات، زعم داود أن ما فعله “ثورة وطنية تقدمية” تهدف إلى إنهاء “حكم فاسد”، ووعد بإقامة “ديمقراطية حقيقية”، ثم حلّ السلطتين التشريعية والقضائية، وتحالف مع الشيوعيين في إدارة الدولة. وقد أقدم داود خان على تنفيذ هذا الانقلاب على الرغم من علمه بأنه، في ذلك الوقت، كانت قد مضت قرابة عشرين عامًا واللواء محمد نجيب، قائد انقلاب يوليو 1952، الذي أطاح بالحكم الملكي في مصر، قابع تحت الإقامة الجبرية من دون محاكمة، وتحت حراسة مشددة، في فيلا قديمة تشاركه القوارض والفئران سكناه،  كما سرد هو مأساته في كتابه “كنت رئيسًا لمصر”. وكانت قد مضت عشر سنوات على مقتل الزعيم عبدالكريم قاسم، عندما اقتيد من مكتبه بوزارة الدفاع العراقية إلى محطة التلفزيون العراقي، وتم إعدامه فيها أمام الكاميرات. والزعيم عبدالكريم قاسم كان قائد الانقلاب العسكري، الذي سمي أيضًا بـ “ثورة 14 يوليو 1958” الذي أطاح بالنظام الملكي في العراق بعد قتل الملك فيصل الثاني، وتصفية أفراد أسرته كافة بطريقة دموية وحشية في ما سمي بـ “مجزرة قصر الرحاب”. ومضت كذلك ست سنوات على إزاحة المشير عبدالله السلال، بأسلوب مذل، من رئاسة الجمهورية العربية اليمنية عندما كان خارج اليمن في زيارة للعراق، وكان عبدالله السلال قائدًا للانقلاب العسكري الذي وقع في اليمن في 26 سبتمبر 1962، وسمي أيضًا بثورة 26 سبتمبر، وأطاح بالنظام الملكي فيها. عبدالله السلال كان قد أُودع السجن لمشاركته في ثورة الدستور في العام 1948، إلا أن ولي العهد اليمني آنذاك سيف الإسلام محمد البدر حميد الدين أطلق سراحه وعينه رئيسًا لحرس ولي العهد. ولما توفي والده، الإمام أحمد، في سبتمبر 1962 وتسلم البدر الحكم في اليمن بادر على الفور بتعين السلال قائدًا للحرس الملكي وأمينًا على قصر السلاح، وبعد ستة أيام فقط قام السلال برد الجميل ونفّذ الانقلاب المفاجئ في واحدة من أبشع صور الخيانة والغدر.  وعلى الباغي تدور الدوائر، فبعد خمس سنوات أطيح بالرئيس السلال، وانتهى به الأمر لاجئا في القاهرة إلى أن أعاده الرئيس علي عبدالله صالح إلى اليمن في العام 1981 ليعيش في صنعاء ما تبقى من عمره منزويًا نادمًا كئيبًا إلى أن توفاه الله في العام 1994. ولم يكن مصير محمد داود خان أفضل من كل هؤلاء، ومن على شاكلتهم ممن نكثوا بالعهد وحنثوا القسم وخانوا من وثق بهم، لا بل كان حظه الأسوأ والأكثر قسوة ووحشية؛ ففي العام 1978، أي بعد خمس سنوات من توليه السلطة، نظم حليفه؛ الحزب الماركسي اللينيني الأفغاني “حزب الشعب الديمقراطي”، وبدعم من الاتحاد السوفييتي، انقلابًا عسكريًا أدى إلى الإطاحة به وبنظامه، وقَتْله هو و18 من أفراد أسرته بما في ذلك زوجته وأخته وأخوه وأبناؤه الثلاثة وبناته الثلاث أيضًا، وصهره، وزوجة ابنه، وأربعة أحفاد كان أحدهم يبلغ من العمر 18 شهرًا. حدثت هذه المجزرة المروعة في القصر الرئاسي المعروف باسم “قصر دار الأمان” في كابول! ونقلت جثثهم جميعًا إلى مكان مجهول وقتها، وبعد 36 عامًا، في أوائل العام 2011، بثت وكالة رويترز خبرًا موثقًا مفاده أن السلطات الأفغانية قد تعرفت على جثة الرئيس السابق محمد داود خان مع بقايا رفات عائلته في قاعدة عسكرية على مشارف كابول. لم تتوقف المأساة عند هذا الحد، فقد تسبّب هذا الانقلاب الدموي في إدخال أفغانستان في دوامة من الخراب: غزو سوفييتي، ثم مقاومة مسلحة، فحرب أهلية، ثم ظهور “طالبان”، ثم غزو أميركي، فعودة “طالبان” من جديد. وكل ذلك بدأ بلحظة طمع فرد اختار طريق الغدر بدل الوفاء، فدفع شعبه كله إلى قاع الجحيم. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من مليوني أفغاني قتلوا منذ العام 1978، في حين فرّ ما يزيد على ستة ملايين من البلاد.إن من يتأمل مصائر هؤلاء القادة يجدها متشابهة على الرغم من اختلاف الأسماء والسياقات: إقصاء، نفي، قتل، عزلة، ندم. وكلها نتيجة خيار واحد: استخدام العنف والانقلاب على الشرعية بدل الاحتكام إلى إرادة الشعوب والمؤسسات الدستورية. إن استحضار هذه المحطات التاريخية الأليمة ليس اجترارًا للماضي، بل دعوة للتأمل واستلهام الدروس والعِبَر. فالاستقرار لا يتحقق على أنقاض الفوضى، والتغيير الحقيقي لا يولد من فوهة البندقية، بل من خلال الإصلاح المتدرّج، والحوار البنّاء، والمشاركة الوطنية تحت سقف الدستور واحترام القانون.وفي واقعنا العربي، ما تزال آثار الانقلابات والانقسامات حاضرة في بعض الأوطان، تعوق التنمية وتؤجج التوتر. لقد آن الأوان لترسيخ ثقافة السلم والحوار، وتعزيز مبدأ التداول السلمي للسلطة، والإيمان بأن قوة الدولة لا تقاس بقبضتها الحديدية، بل بثقة شعبها في مؤسساتها، وانخراطه في صنع مستقبله عبر الوسائل السلمية المشروعة.