دونالد ترامب.. القوة تصنع السلام

| د. شمسان المناعي

عرف‭ ‬عن‭ ‬رؤساء‭ ‬أميركا‭ ‬السابقين‭ ‬تبني‭ ‬كل‭ ‬منهم‭ ‬مبدأ‭ ‬معينا‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية،‭ ‬ولعلنا‭ ‬نذكر‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬لا‭ ‬الحصر‭ ‬مذهب‭ ‬“الاحتواء”‭ ‬في‭ ‬ 1947‭ ‬لهاري‭ ‬ترومان،‭ ‬الذي‭ ‬كان‭ ‬وراء‭ ‬اندلاع‭ ‬الحرب‭ ‬الباردة‭ ‬لنصف‭ ‬عقد‭ ‬من‭ ‬الزمان،‭ ‬ومذهب‭ ‬أيزنهاور‭ ‬وهو‭ ‬“الرد‭ ‬النووي‭ ‬الشامل”‭ ‬في‭ ‬1957،‭ ‬وكان‭ ‬ذلك‭ ‬بسبب‭ ‬صد‭ ‬أي‭ ‬محاولة‭ ‬سوفيتية‭ ‬للتدخل‭ ‬في‭ ‬أقاليم‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ودول‭ ‬حلف‭ ‬الناتو‭ ‬ومناطق‭ ‬نفوذهما،‭ ‬وكان‭ ‬وراء‭ ‬ذلك‭ ‬أزمة‭ ‬“خليج‭ ‬الخنازير”‭ ‬عندما‭ ‬اكتشفت‭ ‬أميركا‭ ‬قاعدة‭ ‬من‭ ‬الغواصات‭ ‬النووية‭ ‬الروسية‭ ‬بالغرب‭ ‬من‭ ‬كوبا‭ ‬وقريبة‭ ‬من‭ ‬سواحل‭ ‬أميركا،‭ ‬ومبدأ‭ ‬نيكسون‭ ‬في‭ ‬سياسة‭ ‬“ملء‭ ‬الفراغ”‭ ‬حيث‭ ‬بعد‭ ‬هزيمة‭ ‬أميركا‭ ‬في‭ ‬فيتنام‭ ‬اكتشف‭ ‬الرئيس‭ ‬نيكسون‭ ‬أن‭ ‬لا‭ ‬فائدة‭ ‬من‭ ‬إرسال‭ ‬الجيوش‭ ‬لمناطق‭ ‬القتال‭ ‬ويكفي‭ ‬أن‭ ‬توجد‭ ‬أميركا‭ ‬حلفاء‭ ‬لها‭ ‬في‭ ‬المناطق‭ ‬التي‭ ‬توجد‭ ‬فيها‭ ‬مصالحها،‭ ‬ومذهب‭ ‬جورج‭ ‬بوش‭ ‬الابن‭ ‬“الحرب‭ ‬الاستباقية”،‭ ‬حيث‭ ‬بعد‭ ‬أحداث‭ ‬11‭ ‬سبتمبر‭ ‬2001م‭ ‬التي‭ ‬عرفت‭ ‬بأحداث‭ ‬التجارة‭ ‬العالمية‭ ‬أخذ‭ ‬الرئيس‭ ‬بوش‭ ‬الابن‭ ‬بهذه‭ ‬السياسة،‭ ‬وفحواها‭ ‬أنه‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬ننتظر‭ ‬حتى‭ ‬تفاجئنا‭ ‬المنظمات‭ ‬الإرهابية‭ ‬في‭ ‬عقر‭ ‬دارنا،‭ ‬إنما‭ ‬لابد‭ ‬من‭ ‬القيام‭ ‬بالقضاء‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬أماكن‭ ‬وجودها،‭ ‬وكانت‭ ‬نتيجة‭ ‬ذلك‭ ‬أن‭ ‬قام‭ ‬بوش‭ ‬الابن‭ ‬بغزو‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬وأفغانستان،‭ ‬وكذلك‭ ‬سياسة‭ ‬أوباما‭ ‬“القيادة‭ ‬من‭ ‬الخلف”‭ ‬بعدها‭.‬

وأخيرا‭ ‬يأتي‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب‭ ‬بسياسة‭ ‬“القوة‭ ‬تصنع‭ ‬السلام”،‭ ‬التي‭ ‬تقوم‭ ‬على‭ ‬مبدأ‭ ‬التوازن‭ ‬بين‭ ‬الحسم‭ ‬العسكري‭ ‬والانسحاب‭ ‬السريع،‭ ‬وذلك‭ ‬يجنب‭ ‬التورط‭ ‬في‭ ‬نزاعات‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد.

وهذا‭ ‬ما‭ ‬ظهر‭ ‬واضحا‭ ‬في‭ ‬أول‭ ‬استخدام‭ ‬للقوة‭ ‬لترامب‭ ‬عندما‭ ‬بدأ‭ ‬بتطبيق‭ ‬هذه‭ ‬السياسة،‭ ‬فقام‭ ‬بضربات‭ ‬قوية‭ ‬على‭ ‬الحوثيين‭ ‬وبعد‭ ‬يومين‭ ‬وقع‭ ‬اتفاق‭ ‬وقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬معهم،‭ ‬وكذلك‭ ‬بالمثل‭ ‬مع‭ ‬إيران،‭ ‬فبعد‭ ‬أن‭ ‬زف‭ ‬ترامب‭ ‬للأميركيين‭ ‬ولإسرائيل‭ ‬بشرى‭ ‬نجاح‭ ‬“عملية‭ ‬مطرقة‭ ‬منتصف‭ ‬الليل”،‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬مواقع‭ ‬نووية‭ ‬إيرانية‭ (‬فوردو‭ ‬ونطنز‭ ‬وأصفهان‭) ‬في‭ ‬22‭ ‬يونيو‭ ‬في‭ ‬تدمير‭ ‬أكبر‭ ‬القدرات‭ ‬العسكرية،‭ ‬بعدها‭ ‬مباشرة‭ ‬دعا‭ ‬القادة‭ ‬الإيرانيين‭ ‬إلى‭ ‬التفاوض‭ ‬لإبرام‭ ‬اتفاق‭ ‬نووي‭ ‬جديد،‭ ‬يحل‭ ‬محل‭ ‬خطة‭ ‬العمل‭ ‬المشتركة‭ ‬الشاملة‭ ‬للعام‭ ‬2015،‭ ‬وشجعهم‭ ‬على‭ ‬الحوار‭ ‬وصنع‭ ‬السلام‭! ‬وبعد‭ ‬أن‭ ‬قبل‭ ‬الطرفان‭ ‬المبادرة‭ ‬الأميركية‭ ‬بوقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار،‭ ‬في‭ ‬24‭ ‬يونيو،‭ ‬من‭ ‬جهة‭ ‬أخرى‭ ‬مارس‭ ‬الضغوط‭ ‬على‭ ‬إسرائيل‭ ‬لوقف‭ ‬إطلاق‭ ‬النار‭ ‬على‭ ‬إيران‭. ‬

وتنطلق‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬من‭ ‬فلسفة‭ ‬أن‭ ‬المبادئ‭ ‬والمثل‭ ‬الأخلاقية‭ ‬في‭ ‬عالمنا‭ ‬اليوم‭ ‬لا‭ ‬تصنع‭ ‬السلام،‭ ‬إنما‭ ‬القوة‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تصنع‭ ‬السلام،‭ ‬وأن‭ ‬التفاوض‭ ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬إلا‭ ‬من‭ ‬منطقة‭ ‬القوة‭ ‬للضغط‭ ‬على‭ ‬الطرف‭ ‬الآخر،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬أكبر‭ ‬قدر‭ ‬ممكن‭ ‬من‭ ‬التنازلات‭ ‬منه‭! ‬وقد‭ ‬كشفت‭ ‬عمليتا‭ ‬“الأسد‭ ‬الصاعد”‭ - ‬وهي‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬شنتها‭ ‬إسرائيل‭ ‬على‭ ‬إيران‭ - ‬و”مطرقة‭ ‬منتصف‭ ‬الليل”‭ - ‬أي‭ ‬الضربات‭ ‬التي‭ ‬قامت‭ ‬بها‭ ‬أميركا‭ ‬على‭ ‬المنشآت‭ ‬النووية‭ ‬الإيرانية‭ - ‬عن‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬وصحتها‭ ‬وسلامتها‭ ‬من‭ ‬وجهة‭ ‬نظرهما‭ ‬على‭ ‬الأقل،‭ ‬فلم‭ ‬تقدر‭ ‬أميركا‭ ‬وإسرائيل‭ ‬ماذا‭ ‬يقول‭ ‬القانون‭ ‬الدولي‭ ‬وميثاق‭ ‬الأمم‭ ‬المتحدة‭.‬

وقد‭ ‬جاءت‭ ‬سياسة‭ ‬ترامب‭ ‬في‭ ‬الحروب‭ ‬من‭ ‬انتقاده‭ ‬الحروب‭ ‬“الغبية”‭ ‬كما‭ ‬سماها‭ ‬التي‭ ‬خاضتها‭ ‬أميركا‭ ‬من‭ ‬قبل،‭ ‬حيث‭ ‬منذ‭ ‬مدة‭ ‬طويلة‭ ‬سقطت‭ ‬هيبة‭ ‬أميركا‭ ‬منذ‭ ‬حربها‭ ‬مع‭ ‬فيتنام‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬الرئيس‭ ‬نيكسون،‭ ‬وحديثا‭ ‬الحربان‭ ‬اللتان‭ ‬خاضتهما‭ ‬أميركا‭ ‬في‭ ‬العراق‭ ‬وأفغانستان‭ ‬أغرقتا‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬في‭ ‬مستنقع،‭ ‬ولذلك‭ ‬يريد‭ ‬ترامب‭ ‬أن‭ ‬يجنب‭ ‬أميركا‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الحروب‭.‬

وهدف‭ ‬الرئيس‭ ‬ترامب‭ ‬هو‭ ‬القضاء‭ ‬على‭ ‬الحروب‭ ‬في‭ ‬العالم‭ ‬ونشر‭ ‬السلام‭ ‬في‭ ‬الولاية‭ ‬الثانية‭ ‬له‭ ‬والأخيرة‭ ‬من‭ ‬رئاسته‭ ‬ويتوج‭ ‬هذه‭ ‬السياسة‭ ‬بالحصول‭ ‬على‭ ‬“جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬للسلام”،‭ ‬ولذلك‭ ‬استغل‭ ‬رئيس‭ ‬وزراء‭ ‬إسرائيل‭ ‬“نتنياهو”‭ ‬هذه‭ ‬الرغبة‭ ‬عند‭ ‬ترامب؛‭ ‬ففي‭ ‬زيارته‭ ‬الأخيرة‭ ‬لواشنطن‭ ‬قام‭ ‬بتقديم‭ ‬ترشيح‭ ‬ترامب‭ ‬لكي‭ ‬يحصل‭ ‬على‭ ‬جائزة‭ ‬نوبل‭ ‬للسلام‭ ‬لكي‭ ‬يكسب‭ ‬ترامب‭ ‬إليه‭ ‬في‭ ‬السياسة‭ ‬التي‭ ‬ينتهجها‭ ‬ويروج‭ ‬لها‭ ‬ولمشروعه‭ ‬الخاص‭ ‬بإعادة‭ ‬تشكيل‭ ‬خريطة‭ ‬جديدة‭ ‬للشرق‭ ‬الأوسط‭.‬

 

‭* ‬كاتب‭ ‬وأكاديمي‭ ‬بحريني