هذه الحكومات الغربية.. من تمثل؟

| رضي السماك

في‭ ‬كل‭ ‬الدول‭ ‬الغربية‭ ‬الديمقراطية‭ ‬بلا‭ ‬استثناء،‭ ‬ثمة‭ ‬عنف‭ ‬بوليسي‭ ‬وقمع‭ ‬يومي‭ ‬يُمارس‭ ‬بحق‭ ‬المحتجين‭ ‬سلميا‭ ‬المتعاطفين‭ ‬مع‭ ‬القضية‭ ‬الفلسطينية،‭ ‬والمنددين‭ ‬على‭ ‬وجه‭ ‬التحديد‭ ‬بالإبادة‭ ‬الجماعية‭ ‬التي‭ ‬يرتكبها‭ ‬جيش‭ ‬الاحتلال‭ ‬بأهالي‭ ‬غزة،‭ ‬وبموقف‭ ‬حكوماتهم‭ ‬ليس‭ ‬المتخاذل‭ ‬فقط‭ ‬مع‭ ‬الحكومة‭ ‬اليمينية‭ ‬العنصرية‭ ‬الحالية‭ ‬في‭ ‬إسرائيل،‭ ‬بل‭ ‬والتي‭ ‬تقدم‭ ‬لها‭ ‬كل‭ ‬أشكال‭ ‬الدعم‭ ‬المالي‭ ‬والعسكري‭. ‬ولا‭ ‬يغير‭ ‬الحال‭ ‬بيان‭ ‬وزراء‭ ‬خارجية‭ ‬25‭ ‬دولة‭ ‬الذي‭ ‬صدر‭ ‬أخيرا،‭ ‬وفي‭ ‬طليعتها‭ ‬بريطانيا‭ ‬وأستراليا‭ ‬وإيطاليا‭ ‬وفرنسا‭ ‬واليابان‭ ‬وكندا،‭ ‬فبيانهم‭ ‬لا‭ ‬يساوي‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬الحبر‭ ‬الذي‭ ‬كُتب‭ ‬به،‭ ‬بل‭ ‬يكشف‭ ‬عن‭ ‬رياء‭ ‬حكوماتهم‭ ‬المتواطئة‭ ‬عمليا‭ ‬في‭ ‬دعم‭ ‬وتسليح‭ ‬جيش‭ ‬الاحتلال‭ ‬مرتكب‭ ‬جريمة‭ ‬الإبادة‭.‬

إن‭ ‬ذلك‭ ‬الموقف‭ ‬الذي‭ ‬يمثل‭ ‬شريحة‭ ‬كبيرة‭ ‬من‭ ‬الضمير‭ ‬الإنساني‭ ‬الشعبي‭ ‬نجده‭ ‬لدى‭ ‬شرائح‭ ‬الشباب‭ ‬والطلبة‭ ‬ومنظمات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭ ‬والأحزاب‭ ‬اليسارية‭ ‬والليبرالية‭ ‬المعتدلة‭ ‬ووسائل‭ ‬الإعلام‭ ‬كافة‭. ‬إذًا‭ ‬هذه‭ ‬الحكومات‭ ‬تمثل‭ ‬من؟‭ ‬من‭ ‬الواضح‭ ‬جيدا‭ ‬أننا‭ ‬إزاء‭ ‬أسوأ‭ ‬وأقذر‭ ‬لعبة‭ ‬في‭ ‬مخرجات‭ ‬العملية‭ ‬الديمقراطية‭ ‬في‭ ‬الغرب‭ ‬الديمقراطي،‭ ‬بحيث‭ ‬تتحكم‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المخرجات‭ ‬الطبقة‭ ‬الرأسمالية‭ ‬الحاكمة‭ ‬التي‭ ‬تتداول‭ ‬السلطة‭ ‬بين‭ ‬شرائحها،‭ ‬فيما‭ ‬هي‭ ‬منفصلة‭ ‬تماما‭ ‬عن‭ ‬نبض‭ ‬الشارع‭ ‬أو‭ ‬القطاع‭ ‬العريض‭ ‬من‭ ‬المجتمع‭.‬

خذ‭ ‬على‭ ‬سبيل‭ ‬المثال‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة،‭ ‬فحينما‭ ‬أُتيح‭ ‬للناخب‭ ‬الأميركي‭ ‬أن‭ ‬يعبر‭ ‬بحرية‭ ‬تامة‭ ‬في‭ ‬انتخابات‭ ‬الترشيح‭ ‬لعمدة‭ ‬نيويورك‭ ‬داخل‭ ‬الحزب‭ ‬الديمقراطي،‭ ‬فقد‭ ‬فاز‭ ‬زهران‭ ‬ممداني‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الانتخابات‭ ‬أواخر‭ ‬يونيو‭ ‬الماضي‭. ‬في‭ ‬حين‭ ‬أن‭ ‬الإدارة‭ ‬الأميركية‭ ‬ما‭ ‬برحت‭ ‬تطارد‭ ‬الطلبة‭ ‬والأساتذة‭ ‬الذين‭ ‬تضامنوا‭ ‬مع‭ ‬الشعب‭ ‬الفلسطيني‭ ‬ونددوا‭ ‬بحرب‭ ‬الإبادة‭ ‬على‭ ‬أهالي‭ ‬غزة‭ ‬في‭ ‬عهد‭ ‬الرئيس‭ ‬بايدن‭. 

ومنذ‭ ‬أول‭ ‬رئيس‭ ‬منتخب‭ ‬في‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬جورج‭ ‬واشنطن‭ ‬خلال‭ ‬الربع‭ ‬الأخير‭ ‬من‭ ‬القرن‭ ‬الثامن‭ ‬عشر‭ ‬إلى‭ ‬الرئيس‭ ‬الحالي‭ ‬السابع‭ ‬والأربعين‭ ‬دونالد‭ ‬ترامب،‭ ‬يعتبر‭ ‬هذا‭ ‬الأخير‭ ‬الأكثر‭ ‬تعبيرا‭ ‬عن‭ ‬لعبة‭ ‬الانتخابات‭ ‬الأميركية،‭ ‬فإذا‭ ‬كان‭ ‬الرؤساء‭ ‬الأميركيون‭ ‬المتعاقبون‭ ‬منذ‭ ‬صعود‭ ‬الرأسمالية‭ ‬الأميركية‭ ‬يتصرفون‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬البلاد‭ ‬كما‭ ‬لو‭ ‬كانوا‭ ‬رؤساء‭ ‬شركات،‭ ‬فإن‭ ‬الرئيس‭ ‬الملياردير‭ ‬الحالي‭ ‬هو‭ ‬الأكثر‭ ‬صراحة‭ ‬في‭ ‬إدارة‭ ‬مصالح‭ ‬بلده‭ ‬كشركة‭ ‬يدير‭ ‬شؤونها‭ ‬لتمثل‭ ‬مصالح‭ ‬“الأوليجاركية”‭ ‬المحلية‭.‬

ولعلنا‭ ‬نتذكر‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬أهمية‭ ‬كتابي‭ ‬“شراء‭ ‬رئيس”‭ ‬و‭ ‬“شراء‭ ‬الكونجرس”‭ ‬اللذين‭ ‬ألفهما‭ ‬الإعلامي‭ ‬الأميركي‭ ‬تشارلز‭ ‬لويس،‭ ‬ففي‭ ‬هذين‭ ‬الكتابين‭ ‬يقدم‭ ‬مؤلفهما‭ ‬براهين‭ ‬دامغة‭ ‬عن‭ ‬كيف‭ ‬يتم‭ ‬التلاعب‭ ‬بإرادة‭ ‬الناخب‭ ‬وتزييف‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدستورية‭ ‬التي‭ ‬يُفترض‭ ‬أنها‭ ‬تمثل‭ ‬الإرادة‭ ‬الشعبية،‭ ‬لتغدو‭ ‬في‭ ‬واقع‭ ‬الأمر‭ ‬تمثل‭ ‬الشركات‭ ‬الكبرى‭ ‬والطبقات‭ ‬الحاكمة‭. ‬والحال‭ ‬مماثل‭ ‬إلى‭ ‬حد‭ ‬كبير‭ ‬في‭ ‬بريطانيا‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تجد‭ ‬حكومتها‭ ‬“العمالية”‭ ‬أي‭ ‬غضاضة‭ ‬في‭ ‬قمع‭ ‬أنصار‭ ‬حركة‭ ‬“فلسطين‭ ‬أكشن”‭ ‬واعتبارها‭ ‬منظمة‭ ‬إرهابية،‭ ‬رغم‭ ‬أن‭ ‬كل‭ ‬المراقبين‭ ‬يشهدون‭ ‬بأن‭ ‬أنشطتها‭ ‬سلمية‭.‬

وتأسيسا‭ ‬على‭ ‬كل‭ ‬ما‭ ‬تقدم،‭ ‬فإنه‭ ‬ما‭ ‬لم‭ ‬تقم‭ ‬حركة‭ ‬إصلاحية‭ ‬من‭ ‬داخل‭ ‬الأنظمة‭ ‬الغربية،‭ ‬أو‭ ‬تتحقق‭ ‬من‭ ‬خارجها‭ ‬ثورة‭ ‬ناجحة‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أن‭ ‬تمثل‭ ‬الحكومات‭ ‬الغربية‭ ‬تمثيلا‭ ‬حقيقيا‭ ‬شعوبها‭. ‬ستظل‭ ‬الحكومات‭ ‬الحالية‭ ‬والحكومات‭ ‬المتعاقبة‭ ‬القادمة‭ ‬تعبر‭ ‬عن‭ ‬المصالح‭ ‬الضيقة‭ ‬للطبقات‭ ‬الرأسمالية،‭ ‬وستظل‭ ‬الإرادة‭ ‬الشعبية‭ ‬الحقيقية‭ ‬ليست‭ ‬مغيبة‭ ‬فحسب،‭ ‬بل‭ ‬ومقموعة‭ ‬بقوة‭ ‬القانون‭ ‬إن‭ ‬سولت‭ ‬لنفسها‭ ‬التعبير‭ ‬عن‭ ‬نفسها‭ ‬بالاحتجاج،‭ ‬سواء‭ ‬دفاعا‭ ‬عن‭ ‬مصالحها‭ ‬أو‭ ‬احتجاجا‭ ‬على‭ ‬السياسة‭ ‬الخارجية‭ ‬لحكوماتها‭.‬

‭* ‬كاتب‭ ‬بحريني