جزّار التسقيط!

| د. جاسم المحاري

يُنقل‭ ‬أن‭ ‬أحد‭ ‬الوعاظ‭ ‬سئل‭ ‬ذات‭ ‬مرة‭: ‬كيف‭ ‬تتعامل‭ ‬مع‭ ‬ما‭ ‬ينشر‭ ‬عنك‭ ‬من‭ ‬حمم‭ ‬الافتراءات‭ ‬وألسنة‭ ‬الإشاعات‭ ‬بقصد‭ ‬تسقيطك‭ ‬وتشويه‭ ‬سمعتك‭ ‬وتصغير‭ ‬شأنك‭ ‬أمام‭ ‬الخلق؟‭ ‬فقال‭: ‬أفضل‭ ‬ما‭ ‬يفعل‭ ‬هو‭ ‬فن‭ ‬التجاهل‭ ‬الممزوج‭ ‬بنهكة‭ ‬التغافل،‭ ‬بحيث‭ ‬يغدو‭ ‬هذا‭ ‬الكائن‭ - ‬بعد‭ ‬تهذيب‭ ‬نفسه‭ ‬وتزوده‭ ‬بالصبر‭ - ‬لا‭ ‬يكون‭ ‬عرضة‭ ‬لتأثير‭ ‬ما‭ ‬يقال‭ ‬عنه‭ ‬أو‭ ‬يساق‭ ‬من‭ ‬ورائه،‭ ‬وكأن‭ ‬الأمر‭ ‬لا‭ ‬يعنيه‭ ‬عن‭ ‬طريق‭ ‬هذا‭ ‬الفن‭ - ‬أي‭ ‬التغافل‭ - ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يجيده‭ ‬إلا‭ ‬ذوو‭ ‬التؤدة‭ ‬من‭ ‬العقلاء،‭ ‬فيمضي‭ ‬صاحبه‭ ‬نحو‭ ‬ما‭ ‬يصبو‭ ‬إليه‭ ‬من‭ ‬أهداف‭ ‬يبقى‭ ‬أثرها‭ ‬نافعا‭ ‬في‭ ‬محيطه‭ ‬ومجتمعه،‭ ‬أما‭ ‬“المسقط”‭ ‬ممن‭ ‬قال‭ ‬الافتراء‭ ‬ونشر‭ ‬الإشاعة،‭ ‬فلا‭ ‬أثر‭ ‬له‭ ‬سوى‭ ‬زوال‭ ‬ذكره‭ ‬ويحاسب‭ ‬على‭ ‬شره‭ ‬يوم‭ ‬تجتمع‭ ‬الخصوم‭ ‬عند‭ ‬جبار‭ ‬السماوات‭ ‬والأرض‭.‬

ثقافة‭ ‬الانهزام‭ ‬والتسقيط‭ ‬من‭ ‬الأمراض‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الخطيرة‭ ‬عند‭ ‬الفرد‭ ‬والجموع،‭ ‬وتعكس‭ ‬أزمة‭ ‬فكرية‭ ‬وانتكاسة‭ ‬النفسية‭ ‬تزيد‭ ‬من‭ ‬بشاعة‭ ‬النفس‭ ‬ورداءة‭ ‬الفكر‭ ‬لحظة‭ ‬انسلاخها‭ ‬عن‭ ‬شرعة‭ ‬السماء‭ ‬وقيم‭ ‬الإنسانية،‭ ‬حتى‭ ‬بدت‭ ‬“حمى‭ ‬التسقيط”‭ ‬وباء‭ ‬اجتماعيا‭ ‬خطيرا‭ ‬وتجارة‭ ‬رائجة‭ ‬بين‭ ‬الأوساط‭ ‬والنخب‭ ‬في‭ ‬ممارستها‭ ‬أساليب‭ ‬التشهير‭ ‬والتحريض‭ ‬في‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬مضمار،‭ ‬تتاح‭ ‬لهم‭ ‬بأسلحة‭ ‬غير‭ ‬مشروعة‭ ‬ووسائل‭ ‬فاسدة‭ ‬وطرق‭ ‬منحرقة‭ ‬يمارسونها‭ ‬ضد‭ ‬ثوابت‭ ‬رصينة‭ ‬ومكونات‭ ‬راسخة؛‭ ‬للعصف‭ ‬بكيان‭ ‬الأفراد‭ ‬وساحة‭ ‬المجتمعات‭ ‬بنية‭ ‬تهديد‭ ‬تضامنها‭ ‬وزعزعة‭ ‬سلمها‭ ‬الأهلي،‭ ‬في‭ ‬منافاة‭ ‬واضحة‭ ‬للدين‭ ‬والأخلاق‭ ‬والعرف‭ ‬والفطرة‭ ‬وقتئذ‭ ‬لتشويه‭ ‬الأفكار‭ ‬والكيانات‭ ‬والرموز‭ ‬في‭ ‬تتبع‭ ‬زلاتها‭ ‬وعثراتها‭ ‬وصولا‭ ‬إلى‭ ‬تسقيط‭ ‬مكانتها‭ ‬الاجتماعية‭ ‬وقاعدتها‭ ‬الجماهيرية‭.‭ ‬

نافلة‭:‬

إنه‭ ‬لأثر‭ ‬سيئ‭ ‬وأمره‭ ‬مدمر‭ ‬على‭ ‬المجتمع‭ ‬قاطبة‭ ‬حين‭ ‬يتاح‭ ‬للغارقين‭ ‬ببحار‭ ‬الفشل‭ ‬والهزيمة‭ ‬في‭ ‬لحظات‭ ‬صراعهم‭ ‬المحموم،‭ ‬الحصول‭ ‬على‭ ‬فرصة‭ ‬تمزيق‭ ‬أوصال‭ ‬المجتمع‭ ‬“وتجزير”‭ - ‬أي‭ ‬تقطيع‭ - ‬نسيجه‭ ‬الاجتماعي‭ ‬قبال‭ ‬تهيب‭ ‬المصلحين‭ ‬وتقهقر‭ ‬المخلصين؛‭ ‬خشية‭ ‬سهام‭ ‬التخوين‭ ‬و‭ ‬“فزع”‭ ‬رماح‭ ‬التجريح‭ ‬إذا‭ ‬ما‭ ‬تصدوا‭ ‬لظاهرة‭ ‬انتشار‭ ‬التسقيط‭ ‬واتساع‭ ‬رقعة‭ ‬التخوين‭ ‬التي‭ ‬باتت‭ ‬تنخر‭ ‬في‭ ‬الأفراد‭ ‬والمجتمعات‭ ‬على‭ ‬حد‭ ‬سواء،‭ ‬إثر‭ ‬فقد‭ ‬الناس‭ ‬الثقة‭ ‬ببعضهم‭ ‬وسط‭ ‬أجواء‭ ‬من‭ ‬التباغض‭ ‬مهلكة‭ ‬ولهيب‭ ‬من‭ ‬العداوات‭ ‬القاصمة‭ ‬بينهم،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬أوجب‭ ‬تقويض‭ ‬تداعياتها‭ ‬وألزم‭ ‬استئصال‭ ‬جذورها‭ ‬عبر‭ ‬ما‭ ‬فعله‭ ‬الواعظ‭ ‬تارة،‭ ‬وتارة‭ ‬أخرى‭ ‬التوعية‭ ‬بحقيقة‭ ‬أسبابها‭ ‬ومراقبة‭ ‬دواخل‭ ‬النفس‭ ‬وعلاج‭ ‬بواطن‭ ‬الخلل،‭ ‬واستدراك‭ ‬ثغرات‭ ‬النقص‭ ‬واستكمال‭ ‬مبادئ‭ ‬الخلق‭ ‬وتجنيب‭ ‬عوام‭ ‬الشبهة،‭ ‬واستمهال‭ ‬صدور‭ ‬الحكم‭ ‬واستحسان‭ ‬طيب‭ ‬الظن‭ ‬واجتناب‭ ‬شذرات‭ ‬السوء‭ ‬واعتدال‭ ‬لفظات‭ ‬النقد‭ ‬وانتفاء‭ ‬آيات‭ ‬الإكراه‭ ‬في‭ ‬حكمهم‭ ‬على‭ ‬مآلات‭ ‬الأفعال‭ ‬ولوازم‭ ‬الأقوال،‭ ‬واستبعاد‭ ‬عواهن‭ ‬التهم‭ ‬وإهدار‭ ‬خصوصات‭ ‬الأعراض‭ ‬هتكا‭ ‬وتجريحا‭.‬

‭* ‬كاتب‭ ‬وأكاديمي‭ ‬بحريني