“بلا طائفية”

| عباس العماني

شابان‭ ‬بحرينيان‭ ‬وبموقف‭ ‬تغلب‭ ‬عليه‭ ‬العفوية‭ ‬بلا‭ ‬شك،‭ ‬أطلقا‭ ‬أخيرا‭ ‬مبادرة‭ ‬لتعزيز‭ ‬التعايش‭ ‬والوحدة‭ ‬الوطنية،‭ ‬وناقشا‭ ‬عبر‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬فكرة‭ ‬الدعوة‭ ‬إلى‭ ‬“صلاة‭ ‬جامعة”‭ ‬تجمع‭ ‬البحرينيين‭ ‬بجناحيهم‭ ‬في‭ ‬مسجد‭ ‬واحد،‭ ‬هذه‭ ‬الفكرة‭ ‬نبيلة‭ ‬المقصد‭ - ‬مع‭ ‬كامل‭ ‬الاحترام‭ ‬للمتبنيات‭ ‬الفقهية‭ ‬والعقدية‭ ‬للجميع‭ - ‬لكنها‭ ‬ووجهت‭ ‬للأسف‭ ‬من‭ ‬بعض‭ ‬الموتورين‭ ‬وحُوّلت‭ ‬من‭ ‬مقصدها‭ ‬الوحدوي‭ ‬إلى‭ ‬منطلق‭ ‬للتراشق‭ ‬الطائفي‭ ‬ومثار‭ ‬للخلافات‭ ‬المذهبية‭!‬

في‭ ‬مايو‭ ‬الماضي‭ ‬صدر‭ ‬بيان‭ ‬للنيابة‭ ‬العامة‭ ‬بشأن‭ ‬واقعة‭ ‬حيازة‭ ‬سلع‭ ‬غذائية‭ ‬فاسدة‭ ‬منتهية‭ ‬الصلاحية،‭ ‬وتداولها‭ ‬وتسويقها‭ ‬بعد‭ ‬تعديل‭ ‬وتغيير‭ ‬تواريخ‭ ‬صلاحيتها،‭ ‬هذا‭ ‬البيان‭ ‬حُوّل‭ ‬ووظف‭ ‬إلى‭ ‬مادة‭ ‬دسمة‭ ‬للاستقطاب‭ ‬الطائفي‭ ‬على‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬أن‭ ‬القضية‭ ‬حينها‭ ‬مازالت‭ ‬قيد‭ ‬التحقيق‭ ‬لدى‭ ‬الجهات‭ ‬العدلية‭!‬

هذان‭ ‬المثالان‭ ‬عايشناهما‭ ‬أخيرا،‭ ‬ويعدان‭ ‬مؤشرين‭ ‬على‭ ‬ظاهرة‭ ‬“الاستقطاب”‭ ‬التي‭ ‬تبرز‭ ‬بتفاوت‭ ‬في‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬قضايا‭ ‬الرأي‭ ‬العام،‭ ‬وتتضاءل‭ ‬فيها‭ ‬الموضوعية‭ ‬ويخفت‭ ‬المنطق‭ ‬ويسود‭ ‬الانفعال‭ ‬والتعصب،‭ ‬والسؤال‭ ‬كيف‭ ‬نحمي‭ ‬مجتمعنا‭ ‬من‭ ‬الانجرار‭ ‬لتلك‭ ‬المستنقعات‭!‬؟

الوحدة‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬بالصلاة‭ ‬المشتركة‭ ‬وحسب‭. ‬واقبل‭ ‬بأن‭ ‬تُعامل‭ ‬معاملة‭ ‬الآخر‭ ‬الذي‭ ‬يختلف‭ ‬معك‭ ‬في‭ ‬الدين‭ ‬أو‭ ‬المذهب‭ ‬أو‭ ‬العرق‭ ‬أو‭ ‬الجنس‭.. ‬الوحدة‭ ‬بالمساهمة‭ ‬الفاعلة‭ ‬في‭ ‬تعميق‭ ‬الولاء‭ ‬الوطني‭ ‬الجامع‭ ‬على‭ ‬حساب‭ ‬الانتماءات‭ ‬الفرعية،‭ ‬ولن‭ ‬تحتاج‭ ‬لسؤال‭ ‬أحد‭ ‬عن‭ ‬كيفية‭ ‬صلاته‭ ‬أو‭ ‬تعبّده،‭ ‬من‭ ‬يريد‭ ‬أن‭ ‬يدعو‭ ‬للوحدة‭ ‬فليعمل‭ ‬لتعزيز‭ ‬مبدأ‭ ‬دولة‭ ‬المؤسسات‭ ‬والقانون‭ ‬التي‭ ‬يُشارك‭ ‬في‭ ‬سلطتها‭ ‬التشريعية،‭ ‬ويحترم‭ ‬إنفاذ‭ ‬القانون‭ ‬عبر‭ ‬السلطة‭ ‬التنفيذية‭ ‬ويكون‭ ‬صوتًا‭ ‬فاعلًا‭ ‬في‭ ‬مؤسسات‭ ‬المجتمع‭ ‬المدني‭.‬

هذه‭ ‬ليست‭ ‬دعوة‭ ‬للمثالية‭ ‬والحديث‭ ‬الرومانسي‭ ‬عن‭ ‬الوحدة‭ ‬الوطنية،‭ ‬فأجدادنا‭ ‬كانوا‭ ‬يقيمون‭ ‬صلواتهم‭ ‬في‭ ‬مسجد‭ ‬“مؤمن”‭ ‬وتعزيتهم‭ ‬الحسينية‭ ‬في‭ ‬مأتم‭ ‬“أبوعقلين”‭ ‬على‭ ‬بُعد‭ ‬أمتار‭ ‬معدودة‭ ‬من‭ ‬كنيسة‭ ‬القلب‭ ‬المقدّس‭ ‬بالمنامة،‭ ‬هذه‭ ‬هي‭ ‬البحرين‭ ‬التي‭ ‬احتضنت‭ ‬وحفظت‭ ‬الجميع‭ ‬بمحبة‭ ‬صادقة‭ ‬ويجب‭ ‬أن‭ ‬نحفظها‭ ‬على‭ ‬رغم‭ ‬كل‭ ‬التحدّيات‭ ‬للأجيال‭ ‬القادمة‭ ‬بصورة‭ ‬تليق‭ ‬بهذا‭ ‬التاريخ‭ ‬المشرّف‭.‬

‭* ‬كاتب‭ ‬بحريني