صراعات ميانمار تحجب أفق الاقتصاد

| عبدالله بوقس

الصراعات‭ ‬ليست‭ ‬طارئة‭ ‬على‭ ‬جسد‭ ‬ميانمار،‭ ‬بل‭ ‬ظلٌّ‭ ‬يكسو‭ ‬خريطة‭ ‬تزدحم‭ ‬بتناقضات‭ ‬مستعصية،‭ ‬حيث‭ ‬تتشابك‭ ‬معالم‭ ‬الجغرافيا‭ ‬بندوب‭ ‬التاريخ،‭ ‬فتبدو‭ ‬البلاد‭ ‬كمرآة‭ ‬قاتمة،‭ ‬غبار‭ ‬النزاعات‭ ‬يحجب‭ ‬عن‭ ‬الأنظار‭ ‬ملامح‭ ‬الاقتصاد،‭ ‬غير‭ ‬أن‭ ‬الحقيقة‭ ‬تبدو‭ ‬أكثر‭ ‬انكشافًا‭ ‬لمن‭ ‬يمتلك‭ ‬بصيرة‭ ‬تخترق‭ ‬الضباب‭. ‬فخلف‭ ‬صدى‭ ‬القصف‭ ‬وعويل‭ ‬العقوبات،‭ ‬يتحرك‭ ‬اقتصاد‭ ‬مكبوت،‭ ‬ينهض‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أنقاض‭ ‬الأزمات،‭ ‬لمن‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬الفرص‭ ‬تنبت‭ ‬أحيانًا‭ ‬وسط‭ ‬الفوضى‭.‬

هذه‭ ‬الدولة،‭ ‬الواقعة‭ ‬في‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬قيمتها‭ ‬بحجمها،‭ ‬بل‭ ‬بموقعها‭ ‬الفاصل‭ ‬بين‭ ‬ثلاثة‭ ‬عمالقة،‭ ‬الصين،‭ ‬الهند،‭ ‬وتايلاند‭. ‬موقع‭ ‬تحوّل‭ ‬من‭ ‬جغرافيا‭ ‬خاملة‭ ‬إلى‭ ‬عقدة‭ ‬لوجستية‭ ‬في‭ ‬معادلات‭ ‬التجارة‭ ‬والطاقة‭. ‬ميناء‭ ‬كياوكبيو‭ ‬المشروع‭ ‬الصيني‭ ‬العملاق‭ ‬على‭ ‬بحر‭ ‬أندمان،‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬مرفأ،‭ ‬إنه‭ ‬شريان‭ ‬بديل‭ ‬يحرر‭ ‬الصين‭ ‬من‭ ‬اختناق‭ ‬مضيق‭ ‬ملقا،‭ ‬ويحوّل‭ ‬ميانمار‭ ‬إلى‭ ‬بوابة‭ ‬استراتيجية‭ ‬نحو‭ ‬جنوب‭ ‬وغرب‭ ‬آسيا‭.‬

وعلى‭ ‬رغم‭ ‬العواصف‭ ‬السياسية،‭ ‬تشير‭ ‬تقديرات‭ ‬البنك‭ ‬الدولي‭ ‬إلى‭ ‬نمو‭ ‬متوقع‭ ‬بـ‭ ‬2‭.‬8‭ % ‬في‭ ‬العام‭ ‬2025‭. ‬رقم‭ ‬يبدو‭ ‬هزيلا‭ ‬على‭ ‬الورق،‭ ‬لكنه‭ ‬يخفي‭ ‬خلفه‭ ‬ثروات‭ ‬كامنة‭: ‬صادرات‭ ‬الغاز‭ ‬الطبيعي‭ ‬بقيمة‭ (‬3.5‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭) ‬سنويًا،‭ ‬واحتياطي‭ ‬عالمي‭ ‬هائل‭ ‬من‭ ‬الحجر‭ ‬الكريم‭ (‬اليشم‭) ‬بقيمة‭ ‬31‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬حسب‭ ‬منظمة‭ ‬“غلوبال‭ ‬ويتنيس”،‭ ‬فضلًا‭ ‬عن‭ ‬الذهب،‭ ‬والنيكل،‭ ‬والقصدير،‭ ‬والزراعة‭ ‬التي‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬العمود‭ ‬الفقري‭ ‬لـ‭ ‬60‭ % ‬من‭ ‬السكان‭.‬

لكن‭ ‬ميانمار‭ ‬لا‭ ‬تعاني‭ ‬فقط‭ ‬نقص‭ ‬الاستقرار،‭ ‬إنها‭ ‬تعاني‭ ‬نقص‭ ‬الكهرباء‭ ‬أيضًا‭. ‬تقرير‭ ‬البنك‭ ‬الآسيوي‭ ‬للتنمية‭ ‬للعام‭ ‬2024‭ ‬يحذر‭ ‬من‭ ‬فجوة‭ ‬طاقة‭ ‬تتطلب‭ ‬إضافة‭ ‬4‭ ‬جيجاوات‭ ‬بحلول‭ ‬2030‭. ‬هنا،‭ ‬تُفتح‭ ‬أمام‭ ‬رؤوس‭ ‬الأموال‭ ‬الخليجية‭ ‬أبواب‭ ‬استثمارية‭ ‬ضخمة‭ ‬في‭ ‬الطاقة‭ ‬المتجددة،‭ ‬من‭ ‬الشمس‭ ‬والرياح‭ ‬إلى‭ ‬الهيدروجين‭ ‬الأخضر،‭ ‬في‭ ‬سوق‭ ‬تكاد‭ ‬تخلو‭ ‬من‭ ‬المنافسة‭ ‬الغربية‭.‬

الفراغ‭ ‬الذي‭ ‬خلّفه‭ ‬انسحاب‭ ‬الشركات‭ ‬الأمريكية‭ ‬والأوروبية‭ ‬لم‭ ‬يبقَ‭ ‬طويلًا؛‭ ‬الصين‭ ‬وتايلاند‭ ‬وسنغافورة‭ ‬والهند‭ ‬سارعت‭ ‬لملئه‭. ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬هناك‭ ‬فجوات‭ ‬حادة‭ ‬في‭ ‬البنية‭ ‬التحتية،‭ ‬والخدمات‭ ‬اللوجستية،‭ ‬والصناعات‭ ‬الغذائية،‭ ‬لاسيما‭ ‬في‭ ‬قطاع‭ ‬الأغذية‭ ‬الحلال،‭ ‬الذي‭ ‬يخدم‭ ‬الأسواق‭ ‬المحلية‭ ‬والإقليمية‭ ‬من‭ ‬بنغلاديش‭ ‬إلى‭ ‬ماليزيا‭.‬

كلما‭ ‬انسحب‭ ‬الغرب‭ ‬مدفوعًا‭ ‬بأخلاقياته‭ ‬السياسية،‭ ‬اتسعت‭ ‬المساحة‭ ‬أمام‭ ‬من‭ ‬يفكر‭ ‬بعقلية‭ ‬السوق‭ ‬لا‭ ‬بشعارات‭ ‬العقوبات‭. ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬الخليجي،‭ ‬في‭ ‬سعيه‭ ‬نحو‭ ‬تنويع‭ ‬ذكي،‭ ‬أمام‭ ‬فرصة‭ ‬نادرة‭ ‬لدخول‭ ‬سوق‭ ‬ترتبط‭ ‬بشبكات‭ ‬التجارة‭ ‬الصينية‭ ‬والهندية،‭ ‬وتتموضع‭ ‬خارج‭ ‬خطوط‭ ‬النار‭ ‬الجيوسياسية‭ ‬التقليدية‭.‬

ميانمار‭ ‬ليست‭ ‬هامشًا‭ ‬مهملًا‭ ‬في‭ ‬دفتر‭ ‬آسيا،‭ ‬بل‭ ‬مرآة‭ ‬تعكس‭ ‬معادلة‭ ‬صلبة،‭ ‬فحين‭ ‬تحجب‭ ‬الصراعات‭ ‬أفق‭ ‬السياسة،‭ ‬يظل‭ ‬الاقتصاد‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬ممرات‭ ‬ضوء‭ ‬خلف‭ ‬الجدران‭ ‬المتصدعة‭. ‬وما‭ ‬يراه‭ ‬البعض‭ ‬مقامرة‭ ‬محفوفة‭ ‬بالمخاطر،‭ ‬قد‭ ‬يكون‭ ‬في‭ ‬الحقيقة‭ ‬استراتيجية‭ ‬استباقية‭ ‬لمن‭ ‬يفهم‭ ‬أن‭ ‬الاقتصاد‭ ‬مثل‭ ‬الماء‭ ‬لا‭ ‬يعترف‭ ‬بالحواجز،‭ ‬بل‭ ‬يبحث‭ ‬عن‭ ‬أي‭ ‬ثغرة‭ ‬لينساب‭ ‬منها‭.‬

‭* ‬صحافي‭ ‬وكاتب‭ ‬إندونيسي،‭ ‬مهتم‭ ‬بشؤون‭ ‬منطقة‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬مقيم‭ ‬في‭ ‬كوالالمبور