رحلة الدواء في الجسم

| د.سيد محمود القلاف

سألني أحد الأقارب مرة وكان يشعر بتوعك وقد تناول أحد “مسكنات الألم”.. كيف يعلم “مسكن الألم” الذي أتناوله موضع الألم في جسمي ويعمل على إزالته أو تسكينه؟ تلقيت هذا السؤال من أشخاص آخرين وإن بطرق أخرى. سأقوم بالإجابة على هذا التساؤل في هذا المقال، وفاتحة الكلام أنه عند تناول الدواء بأية طريقة كانت فإنه يقوم برحلة داخل الجسم (سواء كان بشراً أو حيواناً) تبدأ بامتصاصه وتنتهي بطرده خارجه مروراً بتوزيعه إلى مختلف أجهزة الجسم وتكسيره أو تحويله إلى أشكال أخرى، ولكل مرحلة من هذه المراحل عوامل تؤثر فيها سلباً أو إيجاباً. وتسمى رحلة الدواء في الجسم حركية الدواء (Pharmacokinetics) وهي طريقة تعامل الجسم أو تأثيره في الدواء، وأولى مراحله هي عملية الامتصاص (Absorption)  وهي انتقال الدواء من الموقع الذي تم تناوله منه أو وضعه فيه إلى الدم، فعملية انتقال الدواء من الجهاز الهضمي أو الجلد أو العضل إلى الدم هي ببساطة عملية امتصاص، ولا تخفى أهمية هذه العملية على مفعول الدواء في الجسم، لذلك فإن العوامل التي تؤثر فيها تنعكس على العملية العلاجية للدواء. ومن هذه العوامل الخصائص الفيزيائية والكيميائية للدواء وكذلك الوسط الذي تتم فيه عملية الامتصاص، كما يمثل الطعام أهمية كبرى في عملية الامتصاص فبعض الأطعمة تقلل أو تؤخر عملية امتصاص الأدوية. لذلك ينصح بتناول الدواء قبل الطعام، إلا إذا كان الطعام يؤثر على الدواء أو كان الدواء يسبب ضرراً إذا تم تناوله على معدة فارغة. 

وبعد أن يتم امتصاص الدواء ووصوله إلى الدم يقوم الدم بنقله إلى أغلب أعضاء الجسم وهذه المرحلة تسمى التوزيع (Distribution). عملية التوزيع هذه تعتمد بشكل رئيسي على مدى ذوبانية الدواء في الماء أو الدهون، وكذلك على كمية إمداد الدم إلى أعضاء الجسم كل على حدة. في هذه المرحلة يصل الدواء إلى العضو المصاب أو المريض ويعمل على علاج المرض أو الإصابة به، وكذلك يصل إلى الأعضاء السليمة ولربما يؤثر عليها، وهذا قد يفسر سبب حصول بعض الآثار الجانبية للأدوية. ويشكل وصول الدواء إلى المخ معضلة للأدوية ذات الذوبانية العالية في الماء لصعوبة نفاذها إليه والعكس صحيح، حيث إنه كلما زادت ذوبانية الدواء في الدهون زادت نفاذيته إلى المخ، مع الأخذ في الاعتبار بأنه كلما زادت ذوبانية الدواء في الماء قلت ذوبانيته في الدهون. أحد الأعضاء التي يصل إليها الدواء أثناء عملية توزيعه هو الكبد حيث تجري عليه عملية الاستقلاب أو الأيض (Metabolism). في هذه المحطة من رحلة الدواء في الجسم يقوم الكبد وعبر الإنزيمات الموجودة فيه بتحويل الدواء إلى مركب آخر وربما مركبات أخرى وهذه قد تكون أقل أو أكثر فعالية من الدواء الأصلي وقد تكون هذه المركبات سامة، علماً أن بعض الأدوية تكون عند تناولها خاملة وليس لها أي نشاط بيولوجي، لكن يتم تحويلها إلى مركبات نشطة عبر عملية الاستقلاب هذه. الكبد ليس هو العضو الوحيد المسؤول عن عملية الاستقلاب فهناك أعضاء أخرى في الجسم تقوم بهذه العملية وإن بدرجة أقل. آخر خطوات رحلة الدواء في الجسم هي عندما يقوم الدم بنقل الدواء أو ما ينتج عنه عبر عملية الاستقلاب إلى الكلية، حيث تقوم بطرد كل ما يصل إليها أو بعضه في عملية تهدف إلى التخلص منه في البول. الإفراز - Excretion. وهذه الخطوة تعتمد بشكل رئيسي على مدى ذوبانية الدواء في الماء، حيث إنه كلما زاد ذلك زاد احتمال طرد الدواء عبر الكلية وليس عبر عضو آخر ربما يقوم بنفس المهمة وإن بدرجة أقل، فبعض الأدوية يتم طردها عن طريق البراز أو العرق أو التنفس. في مقابل حركية الدواء هناك ما يسمى بديناميكية الدواء (Pharmacodynamics) وهي طريقة تعامل أو تأثير الدواء على الجسم، ويشمل تأثيراته الإيجابية والسلبية من قبيل الآثار الجانبية والتسمم اللذين قد يترتبان على استخدامه.

أكاديمي وعضو مؤسس بجمعية الصيادلة البحرينية