من الملك فاروق إلى فتى الشرقية: كيف يسقط إدمان القمار عروشا وشيوخا وشبابا؟
| ياسر سليم
في ليلة مثل هذا اليوم من عام 1952، استيقظ ملك مصر الراحل فاروق على دبابات جيشه تحاصر قصره بالقاهرة.
غير مصدق.. فرك الملك الشاب وقتها عينيه من أثر نوم قصير في قصر المنتزه بالإسكندرية، عقب ليلة جديدة خاسرة، خسر فيها مزيدا من المال في القمار.
كان الملك ذا روح رياضية. يقبل الخسارة في القمار ولا يخشى خصومه هزيمته لأنهم آمنون من عقابه، يقبل الخسارة ضاحكا، ربما لأنه لم يتعب فيما حصله من مال مهدر، ربما لذلك الاعتياد على الخسارة، قبل بخسارة ملكه دون مقاومة تذكر إزاء الضباط الشبان.
لكن فتى الشرقية، المحافظة الفقيرة شمال شرق مصر، لم يقبل بالخسارة، ورأى ان يعوضها لا من ماله، ولكن من مال الآخرين، كما الملك فاروق، من جارته المسكينة التي ظن أن لديها مالا يعوض خسائره في المقامرة الالكترونية، فقتلها ليقامر بمالها ويعوض خسائره الفادحة المتوالية.
صارت المقامرة أسهل وأقرب، لم تعد تحتاج لمكان نذهب إليه، وطاولة نتخلق حولها، وأدوات نلعب بها، صارت عند أطراف أصابعنا ونحن جالسون في بيوتنا.
تنبهنا الواقعة الموجعة إلى خطر قاتل وصامت يتسلل كفيروس خبيث إلى أجهزتنا الذكية، لتحول اللهو إلى لهاث، والمتعة العابرة إلى إدمان طويل الأمد.
هذه الظاهرة التي بدأت كمجرد ألعاب حظ إلكترونية، تحوّلت إلى وباء صامت يضرب الفئات الأكثر هشاشة، وعلى رأسهم المراهقون، محدثة شروخًا نفسية، واجتماعية، واقتصادية يصعب إصلاحها. المقامرة الإلكترونية لم تعد مجرّد هواية ترفيهية. فهي اليوم متاحة على مدار الساعة، بنقرة زر، وبمبالغ بسيطة قد تتضخم سريعًا إلى خسائر فادحة. تكمن خطورتها في سهولة الوصول إليها، وسريتها، وإغرائها المستمر بالربح السريع، ما يجعلها بيئة خصبة لإدمان قهري
علميًا، المقامرة تُحفّز نظام المكافأة في الدماغ عبر إفراز الدوبامين، تمامًا كما تفعل المخدرات. في أدمغة المراهقين التي لم تكتمل بعد، تصبح هذه الدفقات المتكررة بوابة لإدمانات أخرى، من الكحول إلى المخدرات، مرورًا بالاكتئاب والعزلة، بل وأحيانًا الانتحار.
المأساة لا تقف عند حدود الفرد. إنها تصيب الأسرة بالاهتزاز، حيث تظهر السرقات، وتنهار الثقة، وتتفكك الروابط. اقتصاديًا، يتكبد الأهل خسائر ضخمة، وتترنح إنتاجية الشباب، وتُثقل كاهل الدولة بتكاليف العلاج والرعاية، فضلًا عن تصاعد معدلات الجريمة.
لحسن الحظ، بدأت دول عديدة بالتحرك، لكن الرهان الأكبر يجب أن يكون على الوعي. فالمجتمع، من الأسرة إلى المدرسة، ومن الإعلام إلى الدولة، مطالب بالتكاتف لإيقاف هذا النزيف الخفي.
المقامرة الرقمية ليست مجرد لعبة.. إنها قنبلة نفسية موقوتة. وإن لم نسابق الزمن لوقفها، فقد نجد أجيالًا كاملة تائهة في سراب الربح، خاسرة في معركة الحياة.
هل ننتظر الضربة القادمة؟ أم نبدأ من الآن في حصار هذا الوحش الإلكتروني؟
كاتب مصري وخبير بالاقتصاد الرقمي