إقالة باول: اختبار حقيقي لاستقلالية الاحتياطي الفيدرالي
| رضا أميري
أثار احتمال إقدام الرئيس دونالد ترامب على إقالة جيروم باول من رئاسة مجلس الاحتياطي الفيدرالي صدمة في الأوساط القانونية والمالية. فبالرغم من أن ترامب لطالما انتقد باول بسبب رفعه أسعار الفائدة، فإن مجرد التلويح بهذه الخطوة يُعد سابقة غير مألوفة تنطوي على تداعيات قانونية واقتصادية عميقة، من المرجح أن تؤثر على الأسواق الأميركية والعالمية على حد سواء. من الناحية القانونية، فإن الأساس الذي يمكن أن يستند إليه قرار كهذا غير واضح. قانون الاحتياطي الفيدرالي يسمح للرئيس بإقالة الرئيس “لسبب وجيه”، لكن هذا المصطلح فُسِّر تقليديًا على نحو ضيق، عادة في حالات سوء السلوك أو العجز، وليس في حالات الخلاف حول السياسات. لم يسبق لأي رئيس في التاريخ الحديث أن أقال رئيس الاحتياطي بسبب السياسات. ويرى العديد من الخبراء القانونيين أن خطوة كهذه قد تُضعف استقلالية الاحتياطي الفيدرالي وتُشعل أزمة دستورية. ومن المحتمل أن تندلع دعاوى قضائية تطالب المحاكم بتحديد ما إذا كان الخلاف السياسي يرقى إلى “سبب وجيه”. أما الآثار الاقتصادية فقد تظهر بشكل أسرع. فمصداقية الاحتياطي الفيدرالي تعتمد على استقلاله عن الضغوط السياسية. وإذا شعر المستثمرون أن قرارات البنك أصبحت مسيّسة، فقد تهتز ثقتهم بالاقتصاد الأميركي. وقد تبدأ أسواق السندات بتسعير تضخم أعلى على المدى الطويل، مما يدفع أسعار الفائدة للارتفاع. كما قد يتراجع الدولار، وتزداد تقلبات الأسواق المالية. في البداية، من المتوقع أن يكون رد فعل الأسواق سلبيا، فقد تهبط الأسهم بشدة، وترتفع عوائد السندات مع مطالبة المستثمرين بعوائد أعلى مقابل المخاطر المتزايدة. أما القطاعات الأكثر تأثرًا بأسعار الفائدة مثل البنوك والعقارات فقد تتضرر بشكل خاص. وعلى المدى القصير، إذا عيّن ترامب رئيسا جديدا يميل إلى خفض الفائدة، فقد تتعافى بعض أجزاء السوق، لكن هذه الانتعاشة قد تكون مؤقتة إذا فقدت الأسواق ثقتها بسياسات البنك المركزي. ويرى مؤيدو الخطوة أن ترامب يعبر عن إحباط واسع من أسعار الفائدة المرتفعة التي أثقلت كاهل الأسر وأبطأت الاستثمارات. وينسب إليه امتلاك حس اقتصادي قوي وجرأة في تحدي الأعراف المؤسسية، يعتبرها البعض ضرورية في هذا الوقت. ومع ذلك، فإن إقالة باول، إن حدثت، تُعد سابقة خطيرة. فهي تسيّس مؤسسة طالما عُرفت باستقلالها، وتجعل رؤساء البنك المركزي في المستقبل أكثر عرضة للضغوط السياسية. وبغض النظر عن الموقف من سياسات باول، فإن مجرد التلويح بهذه الخطوة يطرح تساؤلات خطيرة حول توازن السلطات في واشنطن ومستقبل الاستقرار الاقتصادي الأميركي. إن تهديد ترامب بعزل باول سيكون محل جدل ليس فقط في المحاكم وول ستريت، بل في منازل وشركات تعتمد على استقرار الاقتصاد. والعالم يراقب عن كثب كيف ستتفاعل المؤسسات الأميركية وأسواقها مع هذا الاختبار التاريخي لاستقلالية السياسة النقدية.
*مستثمر مالي ورجل أعمال