الراحة كالفخ
| د.حورية الديري
كلنا نحب الراحة، نبحث عنها بعد يوم طويل، ونعتبرها المكافأة المستحقة بعد الجهد، لكنها تصبح مشكلة حين تتحوّل من محطة مؤقتة إلى إقامة دائمة، ومن استراحة إلى أسلوب حياة. الراحة قد تكون أكثر فخاخ الحياة هدوءًا.. لا تطرق بابك، بل تطمئنك حتى تنام عن نفسك. مناطق الراحة ليست مكانًا ماديًا، بل حالة ذهنية ونفسية يتوقف عندها الإنسان عن التحدي، ويكتفي بما اعتاد عليه، وظيفة ثابتة بلا تطوير، علاقة لا تُرضي لكنها مألوفة، مهارة مكررة بلا إضافة، أفكار قديمة بلا تجديد، كل هذه صور مريحة، وخطيرة في آنٍ واحد. الخطورة لا تكمن في الراحة بحد ذاتها، بل في نتائجها غير المرئية.. الركود، التراخي، ضعف الطموح، غياب الحلم، وربما شعور داخلي بالفراغ، لا تفسّره إلا بعد سنوات حين تدرك أنك كنت “ساكنًا” لا “حيًّا”. الشباب هم الفئة الأكثر عرضة لهذا الفخ، خصوصا حين تُتاح لهم حياة مستقرة، لكنها بلا تحديات حقيقية. فيبدأون بالتنازل تدريجيًا عن شغف، عن فرصة، عن فكرة. فقط لأن الخروج من الراحة يتطلب تعبًا، والمجهول مخيف. لكن الحقيقة التي لا يذكرها كثيرون هي: لا أحد يتطور داخل منطقة راحته. كل تقدم حقيقي يبدأ من القلق، من تجربة جديدة، من سؤال لم يُسأل من قبل، وحتى الأخطاء، إن حصلت، فهي أثمن من المكوث في مكان لا يتغير. ليس المطلوب أن نحيا في تعب دائم، بل أن نوازن. راحة للجسد لا تعني خمول الروح، واستقرار الوظيفة لا يعني جمود الطموح، والمنطقة الآمنة ليست دائمًا الخيار الذكي. إن أصعب ما في منطقة الراحة أنها لا تُشعرك بالخطر، لكنها تُبعدك عن النمو بالتدريج. ولذا علينا أن نراجع أنفسنا دومًا: هل نحن في تطور؟ أم فقط في منطقة الراحة؟ هل نعيش كما نحب؟ أم فقط كما اعتدنا؟ الجواب الصادق قد لا يريحنا.. لكنه سينقذنا.
* كاتبة وأكاديمية بحرينية