الإعلام الأكاديمي

| أسامة مهران

لله والوطن كان لابد ألا أخفي ما رأيت أو أتستر على ما شاهدت، أو أتغاضى عما وقعت فيه طالبة دراسات عُليا بتخصص إعلام، أما ما شاهدت وأما ما أدهشني، فمجرد خبر صحافي لا يمت للصحافة المكتوبة بأدنى صلة، مجرد كلمات مرصوصة، ومعلومات مقصوصة، وجمل غير مفيدة، كلمة من هنا وأخرى من هناك، قلت: ربما يكون هذا المخلوق الغريب مأخوذًا من الـ “شات جي بي تي”، أو منقولاً بسطحية من أستاذ يدعي الأستاذية في الإعلام، أو من دخيل شُبه له بأنه صحافي مع سبق الإصرار، ولكن الحق يُقال إن الطالبة أكدت أن الخبر “من صنع إيديها”، وأنه ابن شرعي مما تعلمته على أيادي أساتذة أجلاء في الصحافة والإعلام. التزامًا بحسن الخلق لم أتجرأ على النص الذي وصل إليّ لأضعه أمام القارئ كي يحكم عليه إذا ما كان هذا المكتوب خبرًا، أم تعليقًا أم مقالاً، أم ماذا؟ لكن في البداية والنهاية كانت السيدة الطالبة تطلق عليه “خبرا”، وأن ذلك هو ما يعبر عن حدث قد حدث بالفعل. ليست تلك هي القصة الأولى والأخيرة فيما كنت أنوي الكتابة عنه، فهناك من القصص الإعلامية الأكاديمية ما يندى لها الجبين، هناك مثلاً مفهوم خاطئ للخلط بين ما يسمى بالحوار والحديث الصحافي، بعض الأكاديميين لا يفرق بين هذا أو ذاك، ويقوم بتدريس فن الحوار الصحافي على أنه حديث صحافي، رغم أن الفرق الجوهري بين الكلمتين متسع اتساع المجرات في الفضاء والنجوم في السماء. الحوار مثلما تعلمناه، ومثلما مارسناه، يعني سؤالا وجوابا، يعني أن الصحافي يسأل والمتحاور معه يجيب، ومن فحوى الإجابة يستخرج الصحافي المتمرس أسئلته المتتالية. أما الحديث الصحافي، فهو ذلك المنطوق المتواصل من خلال متحدث سارد للأحداث وحكاء للناس، وأن دور المحاور لا يتجاوز مجرد التقديم للمتحدث، والتعريف به ثم تركه كي يتكلم بحرية عن كذا وكذا، وهكذا. عندما باغتني أحد الطلاب بمفهومه عن الحديث والحوار الصحافي بأنه لا فرق بينهما، أذهلتني المفاجأة؛ لأن بعض الأكاديميين يقوم بتدريس فن الحوار الصحافي على أنه حديث صحافي، وأنه لا فرق بين هذا أو ذاك، هنا.. “تطل من رأسي الظنون، تلومني وتشد أذني” مثلما شدى عبدالحليم حافظ برائعة الشاعر الكبير كامل الشناوي “لا تكذبي”، فلا تكذبوا أيها السادة على أبنائنا، على طالبي العِلم والدراية والمعرفة، ولا تلقنوهم ما لا يصح ولا يستقيم، ولا تدعوا المعرفة من غير عِلم. الكارثة أن بعض الأكاديميين يقومون بتدريس علوم الإعلام وكأنها مثل سائر العلوم الطبيعية والاجتماعية الأخرى، خصوصا من حيث النشأة النظرية ومن ثم وبعد التوصل إلى أبجديات الصناعة من خلال البحث العلمي المتواصل يتم اكتشاف التطبيقات الملزمة والصحيحة والضابطة لعلوم الإعلام والصحافة وما بينهما. الكارثة أن عِلم الإعلام هو العِلم الوحيد في هذا الكون الذي تختلف نشأته عن سائر العلوم والفنون والآداب، حيث إن هذه النشأة بدأت عمليًا ومن خلال تطبيقات، أما نظرياتها فهي مستمدة من الممارسة اليومية الممنهجة، ومن خلال أدوات ووسائل الإعلام المختلفة، أي أن التطبيق في هذه الحالة يسبق النظرية، وليست النظرية هي التي تسبق التطبيق. من هنا اكتسب الإعلامي المخضرم، والصحافي المتمرس قداسة الأكاديمي بين سائر العلوم والفنون والآداب، وليس صحيحًا أن الممارس أو المُدرس لتطبيقات الصحافة والإعلام هو أقل شأنًا في الدرجة من الأكاديمي الذي يجهل تطبيقات الإعلام، ولا يستطيع ممارستها وربما يفشل لو حاول ومن دون جدوى. الأكثر كارثية، أن بعض الأكاديميين لا يدركون أن العِلم التطبيقي الوحيد القائم على الموهبة والممارسة والثقافة العامة والخاصة معًا، هو عِلم الصحافة والإعلام، بينما تعتمد بقية العلوم الطبيعية خصيصًا على الاجتهاد والبحث والدراسة المتعمقة. إن الإعلام والصحافة هما لغة الناس، حياتهم، وعيهم الجمعي والفردي، الانعكاس الواضح والمنقول بأمانة ونزاهة لممارستهم اليومية، وأساليبهم وتقاليدهم وعاداتهم المرعية، هما كل شيء بلغة الناس وليس بلغة الشيطان.

كاتب بحريني والمستشار الإعلامي للجامعة الأهلية