إحياء القدرة على التفكير (2)
| كمال الذيب
استكمالا لما سبق طرحه في الجزء الأول من هذه المقالة حول أهمية إحياء الفلسفة ودمجها في حياتنا الثقافية والتعليمية، والأثر السلبي لاستبعادها وتهميشها، نستذكر بأن العالم المتقدم يحتفي بالفلسفة ويضعها في مقدمة عناصر تكوين الإنسان وتدريبه على الفهم والإدراك وممارسة إنسانيته، وتزويده بأدوات التفكير المنطقي والمهارات لمواجهة تحديات الحياة، عبر الإعلاء من لغة الحوار بالعقل والمنطق، وذلك أن الفلسفة تلعب دورا أساسيا في فهم وتعزيز قيم الحرية والتسامح والعدالة والتضامن الإنساني والقبول بتنوع الآراء والاجتهادات، بعيدا عن النمطية والاتباعية والانغلاق المولد للتطرف والإقصاء. وفيما تحتفي “اليونسكو” باليوم العالمي للفلسفة والإعلاء من شأنها، باعتبارها أمّ العلوم وقاطرة الفكر، فإن عددا لافتا من الدول الأعضاء في هذه المنظمة، من بينها دول عربية وإسلامية، لا تعبأ بالفلسفة، ولا تدرجها ضمن دورة الحياة الثقافية والعلمية، استنادا إلى تلك الرؤية المحافظة التي تستبعد تدريب الناس على التفكير المنظم، مع أنه لا شيء تقريبا يصقل إنسانية الفرد بعمق مثلما تفعله الفلسفة، ولا شيء يلهمه الرؤية إلى ما وراء الظواهر مثلما تفعل الفلسفة، نحو الشك من دون العجز، والثقة من دون الغطرسة. في مقابل بداهة كل ذلك، نحن اليوم في وضع غريب. فأيّ بلاء أن نكون أقل قدرة على التفكير وأقل جرأة في خوض غمار الفكر أو التعبير عن مواقفنا من أناس عاشوا قبلنا بمئات السنين!؟
ألا يجب أن نبدأ بإبراز الإرث الحضاري الذي تمّيزت به الحضارة العربية الإسلامية في المجال الفكري بما في ذلك الفلسفة وعلم الكلام، اللذان يحاول دعاة الحرفية طمسهما والانتقاص من شأنهما وجعلهما من المحرمات، مع أنهما يتضمنان مباحث فكرية في سياق إسلامي، تضع الإنسان وسط طرفي معادلة وجودية في سباق الأسئلة التي تفتح للإنسان دروبا فكرية ووجودية عديدة. إن الحرفية التي تهيمن على حياتنا هي من ترسم خطا أحمر في وجه الفكر الحر، وتخوف الناس من الفكر والتفكير. فكل الأمور مصنفة عندهم ضمن قاعدة المعروف والمنكر بما في ذلك التفاصيل البسيطة في حياتنا، بحيث تصبح النشاط الرئيسي (للعلماء) أو المتطوعين لإصدار الفتاوى وفقا لجداول الاستخدام. أما القضايا الجوهرية المرتبطة بالإنسان كوجود والتحديات التي تواجه المجتمعات والمعضلات الكبرى فهي أبعد ما تكون عن اهتماماتهم.
كاتب وإعلامي بحريني