الرهان هو على المنشآت الصغيرة: حالات ابتكارية.. “فودكس” و “مزارع البحر الأحمر”
| د. إحسان علي بوحليقة
استعرض المقال السابق (الثالث ضمن سلسلة “الرهان هو على المنشآت الصغيرة”) بإيجاز نجاحين لمنشأتين سعوديتين في نشاط لا ننفك عنه في حياتنا اليومية وهو احتساء القهوة والشاي، وأتت بعض التعليقات تتساءل عن “أين الابتكار؟!”، بالتأكيد الابتكار ليس في حبات القهوة أو أوراق الشاي، بل في تجربة مميزة ومبتكرة جعلت المستهلكين يتدافعون لعيش التجربة والاستمتاع بالأجواء وبالمنتج. وإن كان البحث عن شركة ابتكرت شيئا جديدا فالأمثلة عديدة، بما يعزز المرتكز الأساس لسلسلة المقالات، وهو أن الاقتصاد غير النفطي لن يرتكز على عدد قليل من المنشآت الإنتاجية الكبيرة، فذاك كان ملازما لحقبة الاقتصاد النفطي، الذي صبغ فيه النفط بلونه سحنات كل الأنشطة الاقتصادية، أما في المرحلة الراهنة، مرحلة التنويع الاقتصادي وتصدر القطاع الخاص، فالأمر يختلف اختلافا جذريا بأنه يقوم على عدد كبير من المنشآت الصغيرة والمتوسطة، فنموها المطرد يحقق نموا اقتصاديا إيجابيا مستداما، فالقليل في الكثير كثير، كما تذهب المقولة العربية. اليوم، وفي سياق آخر يستعرض هذا المقال كذلك شركتين رائدتين اتخذتا من التقنية بساط ريح حلق بهما عاليا، لكننا نبقى مع المنشآت التي بدأت صغيرة ثم كبرت؛ نتيجة لإقناعها ليس فقط للمستثمرين بل وقبل ذلك لأصحاب المطاعم والمقاهي بما تقدمه لهم من خدمات بأنها أتت بشيء جديد. المثال الأول هو شركة أتت بشيء جديد، بأنها أصبحت متصدرة في نشاط إدارة المطاعم السحابية ومدفوعاتها في منطقة الشرق الأوسط، وتحديدا تقدم “فودكس” خدمات مثل: نظام نقاط البيع وإدارة المطاعم من الطلبات إلى الدفعات إلى إدارة المخزون والموظفين وبرامج الولاء للزبائن، وحلول الدفع، ومنصة طلبات للمطاعم عبر الإنترنت. وتأسست في العام 2014، وحصلت في العام 2017 - في أول جولة تمويل - على 4 ملايين دولار، أما حصيلة الجولة الأخيرة فكانت 170 مليون دولار في العام 2022، بمشاركة “الهوامير الكبار”، الذين ليسوا أقل من “سيكويا” و “سنابل”. أما القيمة الحالية للشركة فغير معلنة، لكن في تقديري - وقد أكون مخطئا - أنها ترعرت وأصبحت “وحيدة قرن”، ويطلق التعبير في الدوائر التمويلية على الشركة التي بلغ تقييمها مليار دولار ولم تطرح في السوق المالية بعد. المثال الثاني هو - في تقديري - الشركة السعودية الصغيرة الأعلى ابتكارا، وهي “مزارع البحر الأحمر”، وهي شركة سعودية صغيرة قامت على ابتكار تقني مزعزع، وهو الزراعة في البيوت المحمية باستخدام المياه المالحة. وهو ابتكار مزعزع انطلق من جامعة كاوست، أخذا بالاعتبار ندرة المياه العذبة في المملكة، واعتمادنا في الاستخدامات الحياتية على المياه المحلاة، واعتماد الزراعة على المياه الجوفية الشحيحة، وأن هذا الابتكار يفتح آفاقا أكثر رحابة لتحقيق الأمن الغذائي الوطني، بتمويل مبدئي 1.9 مليون دولار في العام 2019، ثم 10 ملايين دولار في العام 2021 من “أرامكو” و “واعد” وجامعة كاوست. وفي العام 2023 أمنت الشركة جمع 20 مليون دولار. حاليا، تزرع الشركة محصول الطماطم في مزرعة مساحتها 6 هكتارات في المملكة، وقد توسعت إلى خارج المملكة إلى جمهورية مصر العربية، حيث تعمل على أرض مساحتها 30 هكتارا.
مؤسس مركز جواثا الاستشاري