التعاون الأكاديمي البحثي!

| د. عبدالله الحواج

مازلت مُصرًا على أن التعاون الأكاديمي أمامه سنوات ضوئية بعيدة المدى لكي يتحقق مثلما يقول الكتاب، ما زالت أسس التعاون العلمي لا ترتكن إلى قواعد ثابتة، وإلى ثوابت مستقرة، وإلى أولويات واضحة، مازالت الجامعات في المنطقة خاصة “الخاصة” منها تعتمد على ذواتها، منكفئة على خصوصياتها، مغلقة على بحوثها وتجاربها العلمية والمعرفية الخالصة. ومازلت، كرئيس لرابطة الجامعات الخاصة الخليجية، أرى في التعاون الإقليمي مخرجًا لنا من كل شح في التمويل للبحوث المرتبطة بواقع الحال في بلادنا، بل إنني مازلت أرى في التعاون البحثي الأكاديمي مخرجًا لنا من كل أفق ضيق، ومنطلقًا أمامنا نحو آفاق تكنولوجية أوسع وأرحب، وأكثر إلمامًا بحقائق النتائج التي تعالج مشاكلنا، وتخفف من الأعباء الملقاة على كواهلنا، بل وتزيل الغموض المستشري في الكثير من مؤسساتنا التي كانت تنعم بالنجاح، ثم فجأة ومن دون مقدمات أصابها الشلل والجمود والعجز عن مسايرة التطور التكنولوجي والرقمي المتعاظم في عالم المعرفة الحديث. مازلت مُصرًا بعد زيارتي الأخيرة لمصر العربية على أن تفعيل الدور الطليعي الطبيعي لرابطة الجامعات ومعاهد التعليم العالي العربية الخاصة التي أتشرف برئاستها أيضًا، لابد أن يجد لأسسه وأهدافه مكانًا واضحًا تحت شمس العلاقات الوثيقة التي تربط الجامعات العربية بعضها بعضا. وطالما أن الرؤية أصبحت واضحة أمامنا بكل تجلياتها وتفاصيلها الدقيقة، فإن الروابط الجامعية والمؤسسات الجامعة المشتركة يمكنها أن تلعب دورًا استباقيًا في تجميع ما كان مستحيلا أن يتجمع، وفي تأسيس ما كان مقبولا تأسيسه في الماضي، بل وقبل قيام هذه الروابط الأكاديمية الفعالة. بعد زيارتي الأخيرة للقاهرة لاحظت بأن فكرة التجميع لا التمييع أصبحت بمثابة حجر الزاوية الذي يمكن البناء عليه حتى يتم تحقيق التعاون بل والتبادل البحثي في ألمع أدبياته، وأهم تفاصيله، وأخطر وأدق أولوياته. لقد قمنا أخيرا بالتوقيع على العديد من الاتفاقيات المشتركة مع دول العالم المتقدم، وأصبح التعاون بيننا على قدم وساق مع حاجاتنا الاقتصادية الاستراتيجية المهمة، الأمر الذي يجب أن يضع الجامعات العربية عمومًا والبحرينية على وجه الخصوص أمام مسؤولياتها، وهي: أولا: تكوين بل وتأسيس مراكز بحثية قائمة على التفكير والتدبير والتجريب. ثانيا: ضرورة تشكيل فرق وجماعات بحثية داخل كل جامعة بحيث تتخصص هذه الفرق في إعداد البحوث اللازمة لعلاج مشكلات القطاعات التي يتم تصنيفها تحت التخصص البحثي العلمي المطلوب. ثالثا: مخاطبة المؤسسات الاقتصادية، حكومية وخاصة، بنوك وشركات وهيئات؛ من أجل التعرف على مشكلاتها والوقوف على التحديات التي تواجهها. رابعا: أن تتسم الفرق البحثية الجماعية بالقدرة على الإلمام بالمعلومات الكفيلة بإنجاز البحوث المرتبطة بالواقع، بالشكل والمضمون والمحتوى والهيكل، الذي يمكن التعويل عليه عند إنجاز الدراسات البحثية المشتركة. أخيرا: الانكشاف المدروس والمحسوب على البحوث المثيلة في الجامعات العربية والخليجية، وحتى البحرينية الأخرى، وألا يعتقد كل طرف بأنه يمتلك سرًا بحثيًا لا يمتلكه سواه، أو أنه لا يمكن المساس بأبحاث العلماء المنجزة حتى لو لم يتم استكمالها. من هنا لابد أن يكون الارتباط من خلال الروابط قائمًا على مواثيق وتشريعات ولوائح ودساتير مستمدة من قوانين الملكية الفكرية، وكيفية حمايتها، وأن تكون الشفافية ونزاهة التوجه هما مربط الفرس عند إنجاز أي تعاون بحثي أكاديمي، الأمر الذي يمكن أن يضع بلادنا في مكان آخر، وفي منطقة أخرى، بل وفي عالم آخر، وفوق كل ذي عالم عليم.  

 

‭* ‬الرئيس‭ ‬المؤسس‭ ‬رئيس‭ ‬مجلس‭ ‬أمناء‭ ‬الجامعة‭ ‬الأهلية