روح القانون

المجلس الملكي.. تجربة لا تشيخ

| زهير توفيقي

لم‭ ‬تكن‭ ‬هي‭ ‬المرة‭ ‬الأولى‭ ‬التي‭ ‬أحظى‭ ‬فيها‭ ‬بشرف‭ ‬الحضور‭ ‬إلى‭ ‬المجلس‭ ‬الأسبوعي‭ ‬ولقاء‭ ‬ملك‭ ‬البلاد‭ ‬المعظم‭ ‬صاحب‭ ‬الجلالة‭ ‬الملك‭ ‬حمد‭ ‬بن‭ ‬عيسى‭ ‬آل‭ ‬خليفة،‭ ‬ولكنه‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مرة‭ ‬يبدو‭ ‬وكأنه‭ ‬الأول‭. ‬تتجدد‭ ‬الهيبة،‭ ‬ويتجدد‭ ‬الشغف،‭ ‬ويتجدد‭ ‬الإحساس‭ ‬العميق‭ ‬بأنك‭ ‬أمام‭ ‬قائد‭ ‬يرى‭ ‬في‭ ‬القيادة‭ ‬مسؤولية،‭ ‬واحتضانا،‭ ‬واحتواء‭ ‬للجميع‭ ‬دون‭ ‬استثناء‭.‬

أثناء‭ ‬حضوري‭ ‬في‭ ‬مجلس‭ ‬جلالته‭ ‬العامر‭ ‬يوم‭ ‬الخميس‭ ‬الماضي،‭ ‬لم‭ ‬أشعر‭ ‬بأنني‭ ‬ضيف،‭ ‬بل‭ ‬مواطن‭ ‬له‭ ‬مكانة‭ ‬وتقديره‭. ‬وهناك،‭ ‬تتجلى‭ ‬ملامح‭ ‬البحرين‭ ‬الحقيقية،‭ ‬كما‭ ‬أرادها‭ ‬جلالته‭: ‬بلد‭ ‬لكل‭ ‬أبنائه،‭ ‬على‭ ‬تنوعهم،‭ ‬وتعدد‭ ‬مشاربهم،‭ ‬وتكامل‭ ‬رؤاهم‭. ‬في‭ ‬هذا‭ ‬اللقاء‭ ‬الأسبوعي،‭ ‬تتجسد‭ ‬اللحمة‭ ‬الوطنية‭ ‬بلا‭ ‬تكلف،‭ ‬وتسطر‭ ‬معاني‭ ‬الانتماء‭ ‬بصمت‭ ‬أبلغ‭ ‬من‭ ‬الكلمات،‭ ‬مؤكدا‭ ‬جلالته‭ ‬في‭ ‬كل‭ ‬مناسبة‭ ‬أن‭ ‬البحرين‭ ‬تحتضن‭ ‬الجميع‭. ‬

وأجمل‭ ‬تلك‭ ‬اللحظات‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تغيب‭ ‬عن‭ ‬الذاكرة‭ ‬عندما‭ ‬وقفت‭ ‬فيها‭ ‬أمام‭ ‬جلالته‭ ‬متشرفا‭ ‬بالسلام‭ ‬عليه‭... ‬لحظة‭ ‬اختلط‭ ‬فيها‭ ‬الاعتزاز‭ ‬بالفخر،‭ ‬والهيبة‭ ‬بالامتنان‭. ‬لقد‭ ‬كانت‭ ‬بالنسبة‭ ‬لي‭ ‬لحظة‭ ‬تاريخية،‭ ‬ومصدر‭ ‬إلهام‭ ‬حقيقي‭ ‬للمضي‭ ‬قدما‭ ‬في‭ ‬خدمة‭ ‬وطني،‭ ‬كل‭ ‬من‭ ‬موقعه،‭ ‬وأنا‭ ‬ومن‭ ‬خلال‭ ‬موقعي‭ ‬في‭ ‬الكتابة‭ ‬عبر‭ ‬عمودي‭ ‬الأسبوعي‭ ‬في‭ ‬صحيفة‭ ‬“البلاد”،‭ ‬شعرت‭ ‬حينها‭ ‬بمسؤولية‭ ‬أكبر،‭ ‬ورسالة‭ ‬أعمق،‭ ‬وبدافع‭ ‬صادق‭ ‬لأن‭ ‬يكون‭ ‬القلم‭ ‬مرآة‭ ‬لولاء‭ ‬صادق‭ ‬وانتماء‭ ‬راسخ‭.‬

إن‭ ‬ما‭ ‬يميز‭ ‬هذه‭ ‬اللقاءات‭ ‬الملكية،‭ ‬أنها‭ ‬لا‭ ‬تعامل‭ ‬الناس‭ ‬بمقاماتهم‭ ‬الرسمية‭ ‬أو‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬بل‭ ‬بإنسانيتهم‭. ‬فجلالة‭ ‬الملك‭ ‬يصافحك‭ ‬بقلبه‭ ‬قبل‭ ‬يده،‭ ‬ينصت‭ ‬لك‭ ‬باهتمام،‭ ‬ويخاطبك‭ ‬بلغة‭ ‬لا‭ ‬تحتاج‭ ‬ترجمانا‭... ‬لغة‭ ‬الأب‭ ‬لأبنائه،‭ ‬والقائد‭ ‬لمواطنيه،‭ ‬والراعي‭ ‬لأمانة‭ ‬حملها‭ ‬بصدق‭ ‬وإخلاص،‭ ‬مستشهدا‭ ‬بالحديث‭ ‬النبوي‭ ‬الشريف‭ ‬“‭ ‬كلّكمْ‭ ‬رَاعٍ‭ ‬وَكلُّكمْ‭ ‬مَسْئولٌ‭ ‬عَنْ‭ ‬رَعِيَّتِهِ”‭. ‬

جلالته‭ ‬أشاد‭ ‬في‭ ‬كلمته،‭ ‬بشعب‭ ‬البحرين‭ ‬الكريم،‭ ‬من‭ ‬الأهالي‭ ‬والمسؤولين،‭ ‬لما‭ ‬أبدوه‭ ‬من‭ ‬التزام‭ ‬رفيع‭ ‬بالواجب‭ ‬وتكاتف‭ ‬وطني‭ ‬متحضر‭ ‬في‭ ‬مواجهة‭ ‬الظروف‭ ‬الاستثنائية‭ ‬التي‭ ‬مرت‭ ‬بها‭ ‬المملكة،‭ ‬والتي‭ ‬كانت‭ ‬خارجة‭ ‬عن‭ ‬إرادة‭ ‬الجميع‭. ‬جلالته‭ ‬نوه‭ ‬في‭ ‬كلمته‭ ‬بالمواقف‭ ‬المشرفة‭ ‬التي‭ ‬تدل‭ ‬على‭ ‬قدرتهم‭ ‬الدائمة‭ ‬على‭ ‬الوقوف‭ ‬صفا‭ ‬واحدا‭ ‬لحماية‭ ‬مكتسباتنا‭ ‬التنموية‭ ‬ونسيجنا‭ ‬المجتمعي‭ ‬المتماسك،‭ ‬دون‭ ‬أي‭ ‬تهاون‭ ‬أو‭ ‬تفريط‭. ‬فتأكيد‭ ‬جلالته‭ ‬على‭ ‬تكاتف‭ ‬الجميع‭ ‬في‭ ‬وطننا‭ ‬الغالي،‭ ‬إنما‭ ‬يبرهن‭ ‬لنا‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الشعب‭ ‬الوفي‭ ‬هو‭ ‬الذي‭ ‬يحمي‭ ‬وطنه‭ ‬من‭ ‬كل‭ ‬شر‭ ‬وسوء،‭ ‬فمتى‭ ‬ما‭ ‬كانت‭ ‬الجبهة‭ ‬الداخلية‭ ‬قوية‭ ‬ورصينة،‭ ‬فإنه‭ ‬لا‭ ‬خوف‭ ‬على‭ ‬مكتسباتها‭. ‬

جلالته‭ ‬حفظه‭ ‬الله‭ ‬ورعاه‭ ‬لا‭ ‬يكتفي‭ ‬باللقاء‭ ‬الرمزي،‭ ‬بل‭ ‬يحرص،‭ ‬وبكل‭ ‬عفوية،‭ ‬على‭ ‬فتح‭ ‬الأبواب‭ ‬لكل‭ ‬صوت،‭ ‬ولكل‭ ‬فكر،‭ ‬ولكل‭ ‬طيف‭ ‬من‭ ‬أطياف‭ ‬الوطن‭.‬‭ ‬ولهذا‭ ‬فإن‭ ‬المجلس‭ ‬لا‭ ‬ينقطع،‭ ‬ولا‭ ‬يشيخ؛‭ ‬لأنه‭ ‬مرآة‭ ‬لرؤية‭ ‬ملك‭ ‬مؤمن‭ ‬بأن‭ ‬التلاحم‭ ‬هو‭ ‬أقوى‭ ‬حصون‭ ‬الاستقرار،‭ ‬وأن‭ ‬الإصغاء‭ ‬هو‭ ‬أولى‭ ‬علامات‭ ‬الحكمة‭.‬

كم‭ ‬هو‭ ‬جميل‭ ‬وملهم‭ ‬أن‭ ‬تخرج‭ ‬من‭ ‬المجلس‭ ‬وأنت‭ ‬تحمل‭ ‬شيئا‭ ‬من‭ ‬طاقة‭ ‬المكان،‭ ‬وشيئا‭ ‬من‭ ‬دفء‭ ‬الكلمة،‭ ‬وشيئا‭ ‬من‭ ‬عمق‭ ‬المعنى‭. ‬إنه‭ ‬ليس‭ ‬مجرد‭ ‬لقاء،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬تجديد‭ ‬للبيعة،‭ ‬وتأكيد‭ ‬على‭ ‬أن‭ ‬البحرين‭ ‬تسير‭ ‬بثقة،‭ ‬لأن‭ ‬قيادتها‭ ‬تؤمن‭ ‬بأن‭ ‬القرب‭ ‬من‭ ‬الناس‭ ‬هو‭ ‬أساس‭ ‬الحكم‭ ‬الرشيد‭.‬

حفظ‭ ‬الله‭ ‬جلالة‭ ‬الملك‭ ‬المعظم،‭ ‬وحفظ‭ ‬الله‭ ‬البحرين،‭ ‬وطنا‭ ‬آمنا‭ ‬مزدهرا،‭ ‬يجمعنا‭ ‬تحت‭ ‬رايته،‭ ‬ويحتضننا‭ ‬بعدله،‭ ‬ويمضي‭ ‬بنا‭ ‬نحو‭ ‬مستقبل‭ ‬نشارك‭ ‬في‭ ‬صناعته‭ ‬بكل‭ ‬فخر‭ ‬واعتزاز‭.‬

 

كاتب‭ ‬وإعلامي‭ ‬بحريني