أرصفة المال ترتسم في فيتنام

| عبدالله بوقس

فيتنام‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬رقعة‭ ‬على‭ ‬خريطة‭ ‬جنوب‭ ‬شرق‭ ‬آسيا،‭ ‬بل‭ ‬أرصفة‭ ‬اقتصادية‭ ‬ترتسم‭ ‬فوق‭ ‬صفحة‭ ‬الجغرافيا،‭ ‬تتبدل‭ ‬فيها‭ ‬حقول‭ ‬الأرز‭ ‬إلى‭ ‬أبراج‭ ‬زجاجية،‭ ‬وتتحول‭ ‬المرافئ‭ ‬القديمة‭ ‬إلى‭ ‬منصات‭ ‬للمال‭ ‬والأعمال‭. ‬إنها‭ ‬رحلة‭ ‬أمة‭ ‬تسير‭ ‬على‭ ‬حبل‭ ‬مشدود‭ ‬بين‭ ‬ماضي‭ ‬الزراعة‭ ‬وصناعة‭ ‬الغد‭ ‬المالي،‭ ‬متكئة‭ ‬على‭ ‬حنكة‭ ‬جيوسياسية‭ ‬واقتصاد‭ ‬لا‭ ‬يعرف‭ ‬التوقف‭.‬

ففي‭ ‬خطوة‭ ‬تحمل‭ ‬أبعادا‭ ‬استراتيجية‭ ‬عميقة،‭ ‬صادق‭ ‬البرلمان‭ ‬الفيتنامي‭ ‬حديثا‭ ‬على‭ ‬إنشاء‭ ‬مركزين‭ ‬ماليين‭ ‬دوليين‭ ‬في‭ ‬مدينتي‭ ‬“هو‭ ‬تشي‭ ‬منه”‭ ‬و‭ ‬“دا‭ ‬نانغ”‭. ‬الأولى‭ ‬تتجه‭ ‬لأن‭ ‬تكون‭ ‬عاصمة‭ ‬الأسواق‭ ‬المالية،‭ ‬والبنوك،‭ ‬وأسواق‭ ‬العملات،‭ ‬بينما‭ ‬ترتدي‭ ‬الثانية‭ ‬عباءة‭ ‬التمويل‭ ‬الأخضر‭ ‬والاقتصاد‭ ‬المستدام،‭ ‬معتمدة‭ ‬على‭ ‬موقعها‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬عند‭ ‬تقاطع‭ ‬ممرات‭ ‬التجارة‭ ‬بين‭ ‬الشرق‭ ‬والغرب،‭ ‬لتتحول‭ ‬إلى‭ ‬بوابة‭ ‬مالية‭ ‬تربط‭ ‬المحيطين‭ ‬الهندي‭ ‬والهادئ‭.‬

وتأتي‭ ‬هذه‭ ‬القفزة‭ ‬النوعية‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬تحقق‭ ‬فيه‭ ‬فيتنام‭ ‬أرقاما‭ ‬استثنائية،‭ ‬حيث‭ ‬ارتفعت‭ ‬تدفقات‭ ‬الاستثمار‭ ‬الأجنبي‭ ‬المباشر‭ ‬بنسبة‭ ‬7‭.‬9‭ % ‬بالأشهر‭ ‬الخمسة‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬2025،‭ ‬لتبلغ‭ ‬8‭.‬9‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬أميركي،‭ ‬بينما‭ ‬قفزت‭ ‬تعهدات‭ ‬الاستثمار‭ ‬إلى‭ ‬18‭.‬4‭ ‬مليار‭ ‬دولار‭ ‬بنمو‭ ‬مذهل‭ ‬قدره‭ ‬51‭.‬1‭ %‬،‭ ‬بحسب‭ ‬بيانات‭ ‬وزارة‭ ‬التخطيط‭ ‬والاستثمار‭ ‬الفيتنامية‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬الصعود‭ ‬لا‭ ‬يخلو‭ ‬من‭ ‬الأشواك؛‭ ‬إذ‭ ‬توصّلت‭ ‬فيتنام‭ ‬إلى‭ ‬اتفاق‭ ‬تجاري‭ ‬مع‭ ‬الولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬ينص‭ ‬على‭ ‬فرض‭ ‬رسوم‭ ‬جمركية‭ ‬بنسبة‭ ‬20‭ % ‬على‭ ‬بعض‭ ‬صادراتها،‭ ‬ترتفع‭ ‬إلى‭ ‬40‭ % ‬على‭ ‬المنتجات‭ ‬التي‭ ‬يُعاد‭ ‬تصديرها‭ ‬بعد‭ ‬دخولها‭ ‬على‭ ‬أنها‭ ‬“منقولة”‭ ‬أو‭ ‬“معاد‭ ‬ترتيبها”‭ ‬عبر‭ ‬هانوي‭. ‬وبالرغم‭ ‬من‭ ‬صعوبة‭ ‬الشروط،‭ ‬برز‭ ‬الوجه‭ ‬البراغماتي‭ ‬لفيتنام،‭ ‬التي‭ ‬آثرت‭ ‬التسوية‭ ‬على‭ ‬التصعيد،‭ ‬مؤكدة‭ ‬قدرتها‭ ‬على‭ ‬المناورة‭ ‬بين‭ ‬ضغوط‭ ‬القوى‭ ‬الكبرى‭ ‬ومتطلبات‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬استقلالها‭ ‬الاقتصادي‭. ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬لا‭ ‬يقف‭ ‬عند‭ ‬تدفقات‭ ‬المال‭ ‬وحدها،‭ ‬بل‭ ‬يعيد‭ ‬رسم‭ ‬معالم‭ ‬مدينتي‭ ‬هو‭ ‬تشي‭ ‬منه‭ ‬ودا‭ ‬نانغ‭ ‬كأرصفة‭ ‬مالية‭ ‬صلبة‭. ‬تتبدل‭ ‬البنية‭ ‬المالية‭ ‬من‭ ‬نموذج‭ ‬تقليدي‭ ‬إلى‭ ‬منظومة‭ ‬عابرة‭ ‬للحدود،‭ ‬تُدمج‭ ‬فيها‭ ‬معايير‭ ‬الحوكمة‭ ‬والشفافية،‭ ‬ونسب‭ ‬كفاية‭ ‬رأس‭ ‬المال‭ ‬والسيولة،‭ ‬إلى‭ ‬جانب‭ ‬إدماج‭ ‬التمويل‭ ‬الأخضر‭ ‬والتكنولوجيا‭ ‬المالية‭ ‬كركائز‭ ‬مركزية‭ ‬للنمو‭ ‬المستدام‭.‬

ما‭ ‬يحدث‭ ‬في‭ ‬هاتين‭ ‬المدينتين‭ ‬ليس‭ ‬سباقا‭ ‬لبناء‭ ‬الأبراج‭ ‬فقط،‭ ‬بل‭ ‬بناء‭ ‬لفلسفة‭ ‬اقتصادية‭ ‬تزاوج‭ ‬بين‭ ‬الربح‭ ‬والمسؤولية‭ ‬البيئية‭. ‬هو‭ ‬تشي‭ ‬منه‭ ‬تطمح‭ ‬لأن‭ ‬تكون‭ ‬هونغ‭ ‬كونغ‭ ‬جديدة،‭ ‬بينما‭ ‬تمضي‭ ‬دا‭ ‬نانغ‭ ‬على‭ ‬درب‭ ‬سنغافورة‭ ‬الخضراء،‭ ‬لتجسدا‭ ‬معا‭ ‬نموذجا‭ ‬مزدوجا‭ ‬لرأسمالية‭ ‬أخلاقية‭.‬

وعلى‭ ‬هذه‭ ‬الأرصفة‭ ‬الجديدة،‭ ‬تتقاطع‭ ‬اليوم‭ ‬طموحات‭ ‬فيتنام‭ ‬مع‭ ‬مصالح‭ ‬دول‭ ‬الخليج‭. ‬فهانوي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬مجرد‭ ‬وجهة‭ ‬تصنيع،‭ ‬بل‭ ‬منصة‭ ‬استثمارية‭ ‬متقدمة‭ ‬تجمع‭ ‬بين‭ ‬الابتكار‭ ‬والاستدامة‭. ‬من‭ ‬يقرأ‭ ‬هذا‭ ‬التحول‭ ‬بعمق،‭ ‬يدرك‭ ‬أن‭ ‬الشراكة‭ ‬مع‭ ‬فيتنام‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬خيارا‭ ‬تكتيكيا،‭ ‬بل‭ ‬ضرورة‭ ‬استراتيجية‭ ‬لصياغة‭ ‬ممرات‭ ‬استثمارية‭ ‬جديدة‭ ‬بين‭ ‬الخليج‭ ‬وآسيا،‭ ‬في‭ ‬عالم‭ ‬يتبدل‭ ‬إيقاعه‭ ‬أسرع‭ ‬مما‭ ‬نظن‭.‬

 

صحافي وكاتب إندونيسي، مهتم بشؤون منطقة جنوب شرق آسيا، مقيم في كوالالمبور