مُلتقطات

أسرى الـ Uniform!

| د. جاسم المحاري

يُنقل‭ ‬أنّ‭ ‬خمسة‭ ‬قرود‭ ‬وُضعت‭ ‬في‭ ‬قفص،‭ ‬وفي‭ ‬أعلاه‭ ‬سلة‭ ‬من‭ ‬الموز،‭ ‬وكلما‭ ‬حاول‭ ‬أحد‭ ‬القرود‭ ‬الصعود‭ ‬إلى‭ ‬السلة؛‭ ‬تقوم‭ ‬باقي‭ ‬القرود‭ ‬برشه‭ ‬بالماء‭ ‬البارد‭ ‬حتى‭ ‬أصبحت‭ ‬كلّ‭ ‬القرود‭ ‬تقوم‭ ‬بضرب‭ ‬أيَ‭ ‬قرد‭ ‬يحاول‭ ‬الصعود‭ ‬إلى‭ ‬سلة‭ ‬الموز‭ ‬دون‭ ‬أنْ‭ ‬يرشوه‭ ‬بالماء‭ ‬البارد‭. ‬بعدها‭ ‬تمّ‭ ‬استبدال‭ ‬أحد‭ ‬القرود‭ ‬بآخر‭ ‬جديد،‭ ‬وعندما‭ ‬حاول‭ ‬الصعود‭ ‬نحو‭ ‬السلة،‭ ‬قامت‭ ‬باقي‭ ‬القرود‭ ‬بضربه‭ ‬حتى‭ ‬توقف‭ ‬عن‭ ‬الصعود‭ ‬بعد‭ ‬عدة‭ ‬محاولات‭. ‬وبالتدريج،‭ ‬تم‭ ‬استبدال‭ ‬جميع‭ ‬القرود،‭ ‬حتى‭ ‬لم‭ ‬يبقَ‭ ‬أي‭ ‬قردٍ‭ ‬من‭ ‬المجموعة‭ ‬الأصلية‭ ‬التي‭ ‬رُشت‭ ‬بالماء،‭ ‬ومع‭ ‬ذلك،‭ ‬كان‭ ‬كل‭ ‬قرد‭ ‬جديد‭ ‬يُضرب‭ ‬إذا‭ ‬حاول‭ ‬الوصول‭ ‬إلى‭ ‬سلة‭ ‬الموز،‭ ‬ولا‭ ‬أحد‭ ‬من‭ ‬القرود‭ ‬يعرف‭ ‬السبب‭ ‬الحقيقي،‭ ‬لكنه‭ ‬يُشارك‭ ‬في‭ ‬الضرب‭ ‬فقط؛‭ ‬لأنّه‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬يحدث‭ ‬دائمًا‭!‬

مثالٌ‭ ‬حيٌّ‭ ‬ما‭ ‬أشارت‭ ‬له‭ ‬التجربة‭ - ‬التي‭ ‬جمعت‭ ‬خمسة‭ ‬من‭ ‬القرود‭ ‬وسلة‭ ‬من‭ ‬الموز‭ ‬والماء‭ ‬البارد‭ - ‬لمّا‭ ‬يُسمى‭ ‬بـ‭ ‬“سياسة‭ ‬القطيع”‭ ‬في‭ ‬اتباع‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬شائع‭ ‬بالسلوك‭ ‬الجماعي‭ ‬دون‭ ‬وعي‭ ‬أو‭ ‬تفكير‭ ‬نقدي‭ ‬بالمبررات‭ ‬المُتوخاة‭ ‬والخضوع‭ ‬للتقليد‭ ‬المُتعارف‭ ‬بلا‭ ‬عناء‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬السبب‭ ‬أو‭ ‬مقاومة‭ ‬التغيير‭ ‬بحجة‭ ‬أنّ‭ ‬مَنْ‭ ‬قبلنا‭ ‬كانوا‭ ‬هكذا‭ ‬يفعلون،‭ ‬والقبول‭ ‬به‭ ‬لمجرد‭ ‬أنّ‭ ‬الجميع‭ ‬منهم‭ ‬يفعلونه‭ ‬ويتجنبون‭ ‬التغيير‭ ‬الذي‭ ‬يبدأ‭ ‬عادة‭ ‬بالتفكير‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬التكرار،‭ ‬فينساق‭ ‬فيه‭ ‬الشخص‭ ‬إلى‭ ‬فعل‭ ‬مشترك‭ ‬مع‭ ‬الجموع‭ ‬دون‭ ‬تخطيط‭ ‬أو‭ ‬بحث‭ ‬وسط‭ ‬أجواء‭ ‬تسودها‭ ‬الحميات‭ ‬العرفية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬أو‭ ‬القومية‭ ‬أو‭ ‬القبلية‭ ‬في‭ ‬صيرورة‭ ‬تاريخية‭ ‬طويلة‭ ‬الأمد‭. 

أو‭ ‬ثمرة‭ ‬لمزاوجة‭ ‬الموروث‭ ‬الثقافي‭ ‬الذي‭ ‬تبدو‭ ‬منافعه‭ ‬للجهة‭ ‬المُتبعة‭ ‬حصولها‭ ‬التأييد‭ ‬لقرارها‭ ‬وتحقيق‭ ‬مصالحها‭ ‬الشخصية،‭ ‬فيما‭ ‬تطفو‭ ‬مساوئه‭ ‬على‭ ‬الجهة‭ ‬التابعة‭ ‬إهمالها‭ ‬تفكيرها‭ ‬وذوبانها‭ ‬في‭ ‬الجهة‭ ‬المُتبعة‭ ‬وتعريض‭ ‬نفسها‭ ‬للأخطار‭ ‬وضياع‭ ‬أفضل‭ ‬الفرص‭.‬

 

نافلة‭: ‬

من‭ ‬المحزن‭ ‬“تأثر”‭ ‬الفرد‭ ‬بمن‭ ‬حوله‭ ‬دون‭ ‬أنْ‭ ‬يترك‭ ‬“تأثيرًا”‭ ‬فيهم،‭ ‬بعد‭ ‬أنْ‭ ‬يُسلّم‭ ‬أنّ‭ ‬الجماعة‭ ‬هي‭ ‬طوق‭ ‬نجاته‭ ‬وجهة‭ ‬تحمّل‭ ‬مسؤوليته‭ ‬التي‭ ‬يبحث‭ ‬فيها‭ ‬عن‭ ‬زعامة‭ ‬تعفيه‭ ‬المسؤولية‭ ‬المُلقاة،‭ ‬وتُعوّده‭ ‬“التّبعية”‭ ‬العبثية،‭ ‬وتُعوزه‭ ‬التوجيه‭ ‬الإجباري؛‭ ‬فيُحدّد‭ ‬نمط‭ ‬سلوكه‭ ‬وطبيعة‭ ‬تصرفاته‭ ‬–‭ ‬بالرغم‭ ‬من‭ ‬ثقافته‭ ‬النامية‭ ‬ووعيه‭ ‬المتطور‭ ‬–‭ ‬حتى‭ ‬يبقى‭ ‬“رهينة”‭ ‬خاضعة‭ ‬تريحه‭ ‬مسايرة‭ ‬التيار‭ ‬في‭ ‬طريقة‭ ‬اعتماده‭ ‬على‭ ‬عقول‭ ‬الآخرين‭ ‬حسب‭ ‬أفكارهم‭ ‬وتوجهاتهم‭ ‬في‭ ‬مجمل‭ ‬القضايا‭ ‬المُعاشة؛‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬دعم‭ ‬حضور‭ ‬عقلية‭ ‬الزي‭ ‬الموحد‭ ‬“Uniform”‭ ‬التي‭ ‬تأسر‭ ‬صاحبها‭ ‬–‭ ‬بعيدًا‭ ‬عن‭ ‬حفظ‭ ‬هويته‭ ‬الفردية‭ ‬المنطقية‭ ‬وتفكيره‭ ‬العقلاني‭ ‬السديد‭ ‬المُحدث‭ ‬للتغيير‭ - ‬في‭ ‬صورة‭ ‬انقياد‭ ‬هجينة‭ ‬تُعرضه‭ ‬للإفلاس‭ ‬الشخصي‭ ‬الفاضح‭ ‬والفشل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬الذريع‭.‬

*كاتب وأكاديمي بحريني