ثقافة السخرية

| ندى نسيم

تُعد الكلمة مفتاح القلب، واللسان الذي يعتاد على الكلمات الطيبة والجميلة يرسم في القلوب الكثير من الراحة والطمأنينة، وعلى النقيض، فإن اللسان الذي تعوّد على الكلمات السيئة غالبًا ما يكون منفّرًا لمن حوله، فالأشخاص يميلون إلى من يُحسن الحديث معهم، ويعاملهم بلطف دائم. لكننا، وفي خضم الحوارات والعلاقات، لا نخلو من مواقف السخرية، تلك التي قد تبدأ معنا منذ الطفولة، حين لم نكن ندرك آثارها النفسية، أو كنا نتعامل معها كمجرد مزحة. غير أن الأمر يختلف حين نكبر ونواجه شخصيات متنوعة؛ فندرك أن السخرية لدى البعض لم تعد مجرد تصرف عابر، بل تحوّلت إلى ثقافة، وثقافة مؤذية تترك آثارًا نفسية عميقة، فذلك الأب الذي يسخر من ابنه باستمرار بسبب رسوبه أو عجزه يساهم دون أن يدرك في تشكيل شخصية مضطربة نفسيًا، تعاني لاحقًا من ضعف الثقة وتفتقد الأمان. أما ذلك الشاب الذي يعتاد على السخرية بين أصدقائه – ظنًا منه أنها تعكس قوته أو تخفي مشاعر النقص داخله – فعادةً ما ينتهي به المطاف وحيدًا؛ إذ يتعوّد على التجريح، ويتقن إظهار مشاعر مزيفة، ما يزرع الشك والريبة في قلوب من حوله، ويؤدي إلى تجنبه لاحقًا. لقد أصبحت السخرية اليوم ظاهرة اجتماعية وثقافية خطيرة، لما تسببه من أضرار نفسية جسيمة، تظهر غالبًا في شكل مزاح أو استخفاف، بقصد التعبير عن رأي أو انتقاد أو حتى استعراض للذات. وهي في جوهرها سلوك لا شعوري متجذر في العقل اللاواعي لمن اعتاد على ممارستها، دون وعي بعواقبها النفسية والاجتماعية.

*كاتبة وأخصائية نفسية بحرينية