عمّال النظافة

| سليم مصطفى بودبوس

تقديرا لجهود عمّال النظافة في الحفاظ على نظافة البلدان وجودة الحياة فيها، وتثمينا للدور الحيوي لهذه المهنة، بادرت العديد من البلديات في العالم والمؤسسات ذات العلاقة إلى تركيب نصب تذكارية أو مجسّمات في مداخل المدن أو في ساحاتها العامة، من أجل تكريم شريحة مهنية نعتز بها، ودأبت على هذه العادة العديد من الدول الغربية، وأخذت تنتشر تدريجيا في بعض الدول الإسلامية والعربية، غير أنّ البعض قد يعارضها شكلا ومضمونا. أما شكلا فمن حيث أنها نصب (تماثيل تجسد شخصية بشرية) قد لا توافق عليها تيارات دينية لأسباب عديدة، ولست هنا معنيا ولا مخوّلا لمناقشة جواز مثل هذه المجسمات من عدمها، ومن حيث الشكل أيضا لوحظ أنّ العديد من هذه النصب التذكارية يبدو فيها عامل النظافة كئيبا حزينا، وهنا ربما لا نتفق مع مصمّمي هذه التماثيل في هذا الاختيار، وأمّا من حيث المضمون فإنّ العديد من الحقوقيين دعوا إلى تكريم عمال النظافة بحفظ حقوقهم أولا، ولاسيما في دولنا العربية والإسلامية، وحفظ كرامتهم وتحسين مستوى معيشتهم على اعتبار أنّ أغلب من يلجأ إلى هذه المهنة من ضعاف الحال وقليلي التحصيل الدراسي، وممّن لم تتوفّر لهم فرص عمل أخرى. ومع ارتفاع أسعار العديد من المواد الأساسية وتكاليف الحياة الضرورية لم يعد بإمكان هذه الفئة مجابهة المصاريف اليومية والشهرية فضلا عمن له أبناء يدرسون أو آباء يكفلهم. وبالإضافة إلى تحسين الرواتب والظروف المعيشية، يحتاج عمال النظافة إلى مساعدة المواطنين وتقديرهم؛ أما المساعدة فبالحفاظ على نظافة الأماكن العمومية كما يحافظ كل مواطن على نظافة مسكنه وملبسه وسيارته، وأمّا التقدير، ولاسيما المعنوي، فبالابتسامة في وجه عامل النظافة وشكره كلما مر المواطن به، لا بازدرائه. 

كما يكون التقدير بالرفع من قيمة المهن اليدوية عموما، والتشجيع على الإقبال على هذه المهن؛ حيث يعزف الكثير من الشباب عنها، على الرغم من ارتفاع نسبة البطالة في البلاد العربية، ويعتبرون العمل فيها نوعاً من الوضاعة الاجتماعية. ويأتي عمل هذه المجسمات والنصب التذكارية ضمن حملة عالمية هدفها إعلاء شأن هذه المهنة وتحسين ظروف العاملين فيها؛ فلطالما كانت النصب التذكارية في العالم للزعماء والمشاهير، لكن اليوم نشهد تحولا إيجابيا في النظر إلى فئات أخرى تخدم المجتمع وتنهض بما يعجز عنه آخرون، بل وتكون الجدار الواقي أمام انتشار الأمراض بسبب التلوث إذا لم يقم عمال النظافة بعملهم. إنّ الجميع يخدم الوطن كل في مجاله، لذا وجب تغيير العقلية بتكريم قيمة العمل اليدوي، وهذا لا يتحقّق إلا بدور إضافي ومستمرّ للمدرسة والعائلة والمنابر الإعلامية والدينية والجمعيات الثقافية من أجل إعلاء قيمة العمل في مجال النظافة العمومية.

*كاتب تونسي ومدير تحرير مجلة البحرين الخيرية