وحين يتلو أنس، يصمت البحر ليستمع..
| د. بثينة خليفة قاسم
أنحدر من سلالة وجدانية تربطني بمدينة الحد، المدينة التي لا تُفاخر بأبنائها بالضجيج، بل تخرجهم كما يُخرج البحر لآلئه: بصمت، وبجمال لا يحتاج إعلانًا.
من بين هؤلاء، يقف الدكتور الشيخ أنس بن عيسى العمادي، أحد أبناء الحد الذين رفعوا الرؤوس بنجاحهم، ورفعوا القلوب بتلاوتهم. صوته حين يتلو، لا يُسمَع فحسب، بل يُشعر.. وكأن القرآن، عبره، يعود إلى أصله النوراني.
ليس قارئًا فحسب؛ صوته لم يُدرَّب عليه، بل وُلد به، كما تولد الأنفاس مع أول نداء فجر. تلاوته لا تكتفي بنقل الألفاظ، بل تعيدها إلى منبعها، فيصير السمع نافذة للقلب.
ولجمال الصوت، أُضيف نور العلم. حصل على الدكتوراه في تفسير القرآن من جامعة الملك فيصل بتقدير امتياز، جامعًا بين السلاسة في الأداء والعمق في الفهم، وهذا نادرٌ في زمن ازدحمت فيه المنابر بالأصوات المستعارة.
ظهر مؤخرًا في بودكاست بثّته جمعية “عون” التي يرأسها، متحدثًا عن العمل الخيري لا كمعونة، بل كجسر إنساني يعيد ترميم ما تكسّر في الأرواح لا في الجدران. في كلماته رسائل غير منطوقة لكنها مفهومة: التأسيس، والبناء، والتحوّل من التفاعل العاطفي إلى الأثر المستدام.
ما يميّز جمعية “عون” ليس حجم ما تقدمه، بل كيفية تقديمه، التوازن بين حرارة الروح ودقة التنظيم. جمعية تمشي على مهل، لكنها لا تضل الطريق.
وحين يجتمع الصوت العذب، والعلم العميق، وصفاء النية في شخصٍ واحد، يصبح من الواجب ألا يُرى كاستثناء، بل كمثال يُحتذى.
ومن هنا، فإن تسليط الضوء على هذه القامة لم يعد تفضّلًا، بل ضرورة وطنية. الدكتور الشيخ أنس العمادي، بما يحمله من علم وفكر وأثر، لا ينبغي أن يُحصر أثره في المنبر فقط. مكانه الطبيعي في المجالس العلمية، واللجان الشرعية، والهيئات الاستشارية الأخلاقية.
صوته حاضر.. وعقله أوضح. ومثل هؤلاء يُقدَّمون ليعبّروا عن وطنٍ أحبوه بصمت وصدق.
هذا العمود لا يُكتب لأنه من الحد، وأنا من الحد، بل لأنه بحريني بصوت لا يُشبه سواه، وبفكرٍ آن أوان حضوره.. ولأننا من الحد، نعرف أن المدن لا تُزيّن بالرايات، بل بالأفعال.
شيختا أنس، في كل تلاوه لك ، شيء يعيد للقلب سكينته.. كأنك لا تحسن التجويد فحسب، بل تعيد بهدوء ترتيب ما في الداخل.. وإن صمت البحر ليستمع، فذلك لأنه وجد في صوتك ما يشبهه: اتساعًا..وعمقًا..ونقاء.